منذ نهاية عام 2024، لم تهدأ الساحة السورية، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، مع تصاعد عسكري متواصل، وتزايد التدخلات الإقليمية والدولية، وعودة مشاهد إعادة رسم النفوذ على الجغرافيا السورية.
اشتباكات متفرقة، ضربات عسكرية موجعة، تدخلات تركية وإسرائيلية وأمريكية، وحالة احتقان داخلي متنامية، كلها مؤشرات تؤكد أن سوريا تقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد تعيد إنتاج الصراع بأشكال أكثر عنفاً.
في هذا التقرير، يرصد “القصة” ملامح المشهد السوري الراهن، من خلال قراءات وتحليلات لخبراء ومتخصصين، تكشف أبعاد التصعيد، و خلفياته، و السيناريوهات المحتملة، وسط تحذيرات من انفلات أمني قد يخرج عن السيطرة في أي لحظة.
سوريا على حافة الانفجار.. تصعيد مستمر وخطط إقليمية لإعادة رسم الخرائط
أكد الصحفي والمحلل السياسي المتخصص في الشؤون العربية والدولية، عصام سلامه، لـ”القصة” أن الوضع الراهن في سوريا يشهد تصعيدا مستمرا منذ نهاية عام 2024، مع اشتباكات متفرقة وانعدام استقرار واسع على كامل الأراضي السورية.
وقال إن الوضع الحالي يسير في مسار تصعيد عام يترافق بضربات عسكرية موجعة تمس كل الأراضي السورية، مشيرًا إلى أن هذه الضربات ليست محصورة في الداخل فقط، بل تشمل الأطراف الخارجية أيضًا.
الضربات العسكرية.. الهدف والواقع
وأوضح “سلامة” أن العملية التي نفذها التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش في وسط سوريا كشفت أن الهدف المعلن لم يكن تنظيم داعش بالدرجة الأولى، مشيرا إلى أن التحالف أعلن أنه ضرب 70 معقلا وبنية تحتية للتنظيم، لكنه أكد أن تنظيم داعش لا يمتلك كل هذه المواقع الكبيرة كما يتم تصويرها.
وأضاف أن التصعيد العسكري الحالي خارجي وليس داخليا، مؤكدًا أن ما يحدث داخل سوريا يقتصر على توسيع نطاق السيطرة وتقسيم المجتمع السوري إلى مجموعات وطوائف متناحرة، وهو ما لم يكن موجوداً تاريخيا، ويتم بشكل متعمد لتسهيل الضربات العسكرية الأجنبية فيما بعد.
تغير الخرائط في حلب والمناطق الجغرافية
وأشار إلى أن التحركات الأخيرة على الأرض، خاصة في حلب، تؤكد تغير الخرائط الجغرافية داخل سوريا، مع وجود محاولات إسرائيلية للسيطرة على الجنوب السوري بالكامل، أما تركيا، فقد سيطرت على المناطق القريبة من حدودها، مثل حلب و ابلس، حيث أصبحت العملة المستخدمة والعمل السياسي والإداري تحت مظلة تركية، كما أن الأعلام المرفوعة في تلك المناطق ترفع علم تركيا، ما يعكس ترسيماً فعليًا للحدود.
وأكد أن جزء الشمال الغربي من الساحل السوري لم تطالب به أي جهة حتى الآن، وأن تركيا سبق أن عززت سيطرتها في حلب قبل 12 شهراً ضمن هذه الخطط الإقليمية.
الأكراد والصراع التركي التاريخي
ولفت إلى أن تركيا تعاني أزمة تاريخية مع فكرة وجود الأكراد داخل أراضيها وخارجها، خاصة في شمال شرق سوريا، حيث يرى أن استقرار قوات سوريا الديمقراطية على الحدود السورية التركية يشكل تهديداً للأمن القومي التركي، ما يدفع أنقرة للعمل على إقامة فصل حدودي بين الأكراد السوريين و الأكراد الأتراك.
وأشار إلى أن الاشتباكات الأخيرة في حلب بين تركيا و قسد أثبتت أن الأخير كانت قوة كبيرة لم تستطع تركيا السيطرة عليها بالكامل، ما يعكس استمرار الصراع التاريخي بين الأتراك و الأكراد.
التدخلات الإقليمية والدولية
وأوضح “سلامة” أن سوريا تشهد بالفعل تواجدا مكثفاً للأطراف الإقليمية والدولية، حيث تدخلت تركيا في مواقع عدة بحلب، كما أن إسرائيل متواجدة في كل الأراضي السورية وتوسعت نحو 20 كيلو متراً من القصر الجمهوري، بينما تدعم الولايات المتحدة إسرائيل في هذه العمليات.
وأضاف أن الأردن أيضًا يعد طرفا إقليمياً حاضراً على الأرض، مؤكدًا أن جميع الأطراف الإقليمية والدولية مستعدة عسكرياً لأي تصعيد محتمل ولديها القدرة على إشعال الداخل السوري بشكل أكبر مما هو حاصل حاليًا.
السيطرة الخارجية على سوريا
واختتم حديثه بالقول إن الرئيس السوري بشار الأسد لم يسقط بسبب ضغوط الشعب أو الداخل، بل بفعل التدخل الخارجي، مشيراً إلى أن الخارج يتحكم بشكل رئيسي في مجريات الأمور على الأرض السورية.
قسد ودمشق.. اختبار أمني خطير
من جانبه، أكد الدكتور عامر فاخوري، أستاذ القانون الدولي، إن احتمالية التصعيد في سوريا قائمة فعليا، مشيرًا إلى أن الوضع الحالي ليس مجرد سيناريو نظري.
وقال “فاخوري” لـ “”القصة” إن أغلب التحليلات الدولية تتفق على أن ملف قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مع دمشق تحول إلى اختبار أمني مباشر لقدرة الدولة السورية على ضبط السلاح وتوحيد سلسلة القيادة، وفي الوقت نفسه اختبار لقدرة قسد على الانتقال من الإدارة الذاتية المسلحة إلى الاندماج السياسي والعسكري دون خسائر وجودية.
عودة الاحتكاك الميداني وذروته
وأوضح أن الإشارات الأكثر وضوحاً لقابلية الأمور للتفلت تظهر في احتكاك الطرفين على الأرض، الذي عاد للواجهة عدة مرات خلال 2025، وبلغ ذروته قبل أيام في أحياء الشيخ مقصود و الأشرفية في حلب، قبل أن يتم التوصل إلى تفاهم لخفض التصعيد بعد سقوط ضحايا مدنيين وتبادل الاتهامات بين الطرفين. هذه الأحداث ترسل رسالة واضحة: أي خلاف على الأرض يمكن أن يتحول بسرعة إلى تبادل نيران داخل مدن مكتظة، وليس فقط على خطوط تماس بعيدة.
عامل الوقت والضمانات
وأشار “فاخوري” إلى أن الاتفاق المبدئي الذي وقع في مارس كان يهدف إلى فتح طريق للاندماج وتقليل المواجهات، وهو ما تحقق نسبياً بحسب تقارير دولية، إلا أن جوهر الخلاف مازال قائماً، دمج المؤسسات العسكرية والمدنية في شمال شرق سوريا لم يحسم بالكامل، والتوترات السياسية والأمنية لم تختف.
ضغط اللاعبين الخارجيين
أكد أن ضغط الأطراف الخارجية يزيد من احتمال التصعيد، موضحاً أن تركيا تقول علناً إن قسد لا تتجه بجدية نحو الاندماج، وتلوح بخيارات عسكرية، وتضع شروطاً صارمة تتعلق بتفكيك البنية القيادية لقسد بالتوازي، تسعى دمشق لإعادة تنظيم مقاتلي قسد ضمن تشكيلات الجيش السوري، بينما تتراجع قسد و تناور بحثا عن ضمانات، في هذا المناخ، أي حادثة صغيرة قد تستخدم لفرض وقائع جديدة أو رفع سقف التفاوض.
خطر داعش
ولفت “فاخوري” إلى أن الخطر الأمني الأكبر يتمثل في خلايا داعش النائمة، حيث تشير التقارير الأوروبية إلى هجمات متفرقة للتنظيم في الشرق، وأن نشاطه قد يتصاعد مع أي ارتباك بين القوى المسيطرة. أي صدام كبير بين دمشق و قسد سيخلق فراغات تستفيد منها داعش أولا.
مساران متوازيان
وأشار فاخوري إلى أننا أمام مسارين متوازيين: المسار السياسي التفاوضي: يمكن أن يضبط الإيقاع إذا اتفق الطرفان على صيغة اندماج تدريجي مع ضمانات واضحة وسلسلة قيادة واحدة.
المسار الميداني الهش: قابل للانفجار في أي لحظة بسبب سوء تقدير، أو ضغط تركي، أو صراع محلي في حلب أو على تخوم الشمال الشرقي.
وأوضح أن التصعيد الأمني ممكن، لكنه ليس قدراً محتوماً، وأن ما سيحسم الأمور قريبًا هو تحويل الاندماج من عنوان فضفاض إلى خطوات تنفيذية متدرجة، أو إبقاؤه مجرد تفاوض تحت النار.
سيناريوهات منع التصعيد
وأوضح “فاخوري” أنه “إذا أردنا التفكير بمنطق قانوني ودبلوماسي، هناك سيناريوهات واقعية تمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، شرط التعامل معها كحزمة واحدة وهي:
الاندماج القانوني المرحلي: دمج تدريجي منظم لقسد ضمن إطار وطني عام مع الاحتفاظ بخصوصيات إدارية مؤقتة، يشمل المراسيم التنظيمية لسلسلة القيادة، الرواتب، المسؤولية الجنائية، ويكتسب تفهمًا أمميًا لإعادة بسط سلطة الدولة دون صدام شامل.
الضمانات الدولية غير العسكرية: الاعتماد على رعاية أممية أو إقليمية لمراقبة تنفيذ التفاهمات، ما يمنح قسد حماية سياسية ويخفف من احتمالات اللجوء للخيار العسكري.
الفصل المؤقت بين الأمني والسياسي: تجميد أي تحركات عسكرية متبادلة مقابل فتح مسار سياسي قانوني واضح بجدول زمني، لتفادي خلط الملفات التي تزيد التصعيد.
الاندماج الدستوري: معالجة الجذر السياسي عبر إدماج مطالب الإدارة المحلية ضمن إطار دستوري عام، سواء بقوانين محلية موسعة أو تعديلات مستقبلية، لتقليل مبررات استخدام القوة.
الردع القانوني بدل الردع العسكري: نقل الخلاف من الميدان إلى المؤسسات عبر لجان تحقيق مشتركة أو آليات مساءلة مدنية، ما يضع سقفًا للتصعيد ويحول النزاع من منطق الغلبة إلى منطق المسؤولية.
وختم “فاخوري” بالقول إن منع التصعيد ليس مستحيلا، لكنه يتطلب قرارًا واعيا بتحويل الصراع من ساحة السلاح إلى ساحة القانون والدبلوماسية، كلما تأخر هذا التحويل، زاد خطر الانفجار، وكل خطوة قانونية واضحة و مظلة دبلوماسية فعالة تمنح الطرفين مساحة أكبر للابتعاد عن حافة المواجهة.