مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، يعود سؤال بالغ الخطورة إلى الواجهة: هل تستطيع الولايات المتحدة، بقوتها الجوية الهائلة، تغيير النظام الإيراني دون التورط في حرب برية؟
فبين قاذفات استراتيجية، وصواريخ دقيقة، وقدرات استخباراتية متطورة، تبدو واشنطن قادرة نظريًا على توجيه ضربات موجعة، لكن الواقع الإيراني أكثر تعقيدًا من أن يُحسم من الجو فقط.
هذا التقرير يفتح ملف أحد أخطر السيناريوهات المطروحة، ويبحث في حدود القوة الجوية الأمريكية، وصلابة النظام الإيراني، وما إذا كان إسقاطه ممكنًا بالقنابل أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى حسابات سياسية وشعبية وإقليمية أشد تعقيدًا
هل يمكن للهجوم الجوي إسقاط النظام الإيراني؟
في هذا السياق، أكد اللواء سمير فرج الخبير العسكري والأستراتيجي، أن تغيير النظام الإيراني عبر الهجوم الجوي فقط غير ممكن، مشيرًا إلى أنه لم يحدث تاريخيًا أن نجح هجوم عسكري منفرد في إسقاط نظام سياسي راسخ.
وأوضح، أن النظام الإيراني لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل يستند بدرجة أساسية إلى بنية أيديولوجية متماسكة تشكل أحد أهم مصادر بقائه.
ركائز قوة النظام الإيراني
أشار اللواء سمير فرج إلى أن القوة العسكرية تمثل عنصر دعم مهم للنظام، وتتكون أساسًا من: “الجيش الإيراني، الحرس الثوري الإيراني، الذي يُعد قوة محورية وأساسية في حماية النظام”.
وأضاف، أن الحرس الثوري الإيراني يتمتع بولاء كامل للمرشد الأعلى، وهو ما يعزز تماسك النظام ويحد من فرص انهياره من الداخل.
موقف الشارع الإيراني وقت الأزمات
وأشار اللواء سمير فرج، إلى أن الشعب الإيراني، في حال تعرض بلاده لهجوم خارجي، لا ينقلب على النظام، بل على العكس، يميل إلى الالتفاف حول الدولة والقيادة.
وأكد أن الضغوط العسكرية الخارجية غالبًا ما تؤدي إلى توحيد الداخل الإيراني بدلًا من تفكيكه.
سيناريو الضربة الجوية الواسعة
في حال توجيه ضربة جوية واسعة لإيران، أكد اللواء سمير فرج أن طهران ستدافع بكل ما تملك، متوقعًا أن يشمل رد الفعل الإيراني: توجيه هجمات شديدة ضد إسرائيل – استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة – مهاجمة مصادر البترول في الإقليم؛ لإحداث شلل في الاقتصاد العالمي – محاولة إغلاق مضيق هرمز وباب المندب.
وأوضح أن هذه الخطوات ستؤدي إلى ارتباك كبير في الاقتصاد العالمي، وربما تحول المنطقة بأكملها إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة.
الفارق بين الحالة الإيرانية وتجارب سابقة
حول المقارنة بين إيران وتجارب أخرى مثل العراق أو ليبيا أو فنزويلا، أكد سمير فرج أن كل حالة تختلف عن الأخرى ولا يمكن القياس بينها، العراق يمثل حالة خاصة بظروفه السياسية والأمنية، وإيران تمتلك وضعًا مختلفًا تمامًا من حيث التماسك الداخلي وبنية الدولة، مشددًا على أن تشابه النتائج أو السيناريوهات بين هذه الدول غير دقيق.
مواقف دول الإقليم والقوى الكبرى
دول الإقليم
أكد اللواء سمير فرج، أن تركيا ومصر والسعودية لا ترغب في أي تصعيد عسكري في المنطقة، لما يحمله من آثار سلبية جسيمة على الاستقرار الإقليمي، مشيرًا إلى أن هذه الدول لا توافق على سيناريو الحرب.
الصين وروسيا
وأوضح أن الصين وروسيا قد تشجعان مواقف سياسية داعمة لإيران، لكن لن يكون لهما دور عسكري مؤثر، ويقتصر موقفهما على الدعم السياسي والتشكيك في جدوى أي عمل عسكري.
واختتم اللواء سمير فرج، أن الهجوم الجوي، مهما بلغت قوته، لا يمكنه إسقاط النظام الإيراني، بل قد يدفع المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة ذات تداعيات خطيرة على الأمن والاقتصاد العالميين، دون تحقيق الأهداف السياسية المرجوة.
على ماذا يعتمد بقاء النظام الإيراني؟
ومن جانبه، قال الدكتور علاء السعيد الخبير في الشأن الأيراني، إن البنية العسكرية تبعب دورًا مهمًا في حماية النظام، لكنها ليست الركيزة الأساسية لاستمرارها، فالنظام الإيراني يقوم على ثلاثة أعمدة متداخلة:
- تماسك مؤسسي وأمني شديد الصلابة.
- شبكة أيديولوجية قادرة على التعبئة والحشد.
- قدرة على إدارة الأزمات وتحويل الصراع الخارجي إلى عامل تماسك داخلي.
وعليه، فإن استهداف القوة العسكرية دون كسر هذه الأعمدة لن يؤدي إلى انهيار النظام، بل قد يعزز خطابه التعبوي، ويمنحه شرعية داخلية إضافية.
سيناريو الرد الإيراني على ضربة جوية واسعة
أضاف الدكتور علاء السعيد، في حال توجيه ضربة جوية واسعة، لن تذهب إيران إلى حرب تقليدية مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها ستعتمد استراتيجية الرد غير المتكافئ، من خلال:
- ضرب المصالح الأمريكية وحلفائها بشكل غير مباشر.
- توسيع نطاق الاشتباك عبر مسارح إقليمية متعددة.
- استخدام أوراق الضغط الاقتصادية والأمنية.
وبمعنى أدق، سيكون التصعيد محسوبًا ومدروسًا، لكنه قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية متدرجة، لا يرغب فيها أحد، لكنها تبقى ممكنة إذا فُرضت معادلاتها.
لماذا تختلف الحالة الإيرانية عن العراق وليبيا وفنزويلا؟
أشار دكتور علاء السعيد إلى أن الفارق بين هذه التجارب جوهري، إذ يتمثل في العراق وليبيا، سبق التفكك المؤسسي التدخل الخارجي.
في فنزويلا، تعاني الدولة من أزمة داخلية مزمنة، مع نظام أقل قدرة على المناورة الإقليمية.
أما إيران، فهي دولة ذات مؤسسات راسخة، وعمق اجتماعي-أيديولوجي، ونفوذ إقليمي واسع.
وهو ما يجعل كلفة استهدافها أعلى بكثير، ويجعل سيناريو الانهيار السريع غير واقعي.
مواقف القوى الكبرى ودول الإقليم
أضاف السعيد أن الصين وروسيا، سترفضان تغيير النظام بالقوة، ليس دعمًا لإيران، بل دفاعًا عن مبدأ توازن القوى ومنع سابقة قد تُستخدم ضدهما مستقبلًا.
تركيا
ستتبنى موقفًا براغماتيًا يوازن بين مصالحها مع الغرب، ومخاوفها من تداعيات الفوضى الإقليمية.
مصر
ستدفع باتجاه التهدئة وضبط الإيقاع الإقليمي، إدراكًا لخطورة الانفجار الشامل في المنطقة.
السعودية
ستنظر إلى الأمر من زاوية أمنها القومي، مع تفضيل احتواء إيران وإضعاف سلوكها، لا تفجير الإقليم بحرب مفتوحة.
ما بين تغيير السلوك وتغيير النظام
اختتم السعيد بقوله: “ربما تغيّر الضربة الجوية سلوكًا مؤقتًا، لكنها لا تغيّر نظامًا بحجم وتعقيد النظام الإيراني”.
وأردف: “وأي مغامرة عسكرية غير محسوبة قد تنقل الشرق الأوسط من مرحلة التوتر إلى مرحلة الفوضى الإقليمية”.
ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن غياب النظامين الإيراني والصهيوني قد يفتح المجال أمام منطقة أكثر سلامًا واستقرارًا، بينما يحذّر آخرون من أن كلفة هذا التحول قد تكون باهظة، وتفوق قدرة الإقليم على الاحتمال.