أصدرت السلطات العراقية خلال الأيام الماضية “وثيقةً كاشفةً” أكدت ما حاول البعض تكذيبه على مدار سنواتٍ مضت، وكانت كـ“ختمٍ رسميٍّ” يوضع على ملفٍّ شديدِ الخطورة ليكون دليلًا جديدًا على حقيقة ما جرى ويجري بداخل الجغرافيا السورية منذ ما يقارب عقدًا ونصفًا.
على مدار 23 يومًا واصلت القوات الأمريكية عمليات نقل عناصر “تنظيم الدولة الإسلامية – داعش” من سوريا إلى العراق، تلك العناصر التي كانت وراء أسوار سجون قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وأفرج عنهم عناصر الأمن العام التابعة لسلطة الأمر الواقع في فيديوهاتٍ موثقةٍ.
لسببٍ أو لآخر ليس محلَّ عرضنا الآن، قامت القوات الأمريكية بنقل هذه العناصر إلى العراق لتقوم سلطاته القضائية بالتحقيق معهم وإجراء محاكماتٍ واضحةٍ، وتم إيداعهم السجون العراقية وسط مطالباتٍ لدولهم باستلامهم وتحمل مسؤوليتهم.
الوثيقة التي نتحدث عنها أصدرتها وزارة العدل العراقية، لتحصر عدد العناصر الداعشية الذين قامت باستقبالهم وتُصنِّفهم حسب دولهم وجنسياتهم، وأفادت تلك الوثيقة بأن إجمالي العدد وقت إصدارها وصل لـ5704 عناصر، وينتمون إلى 66 دولةً، وهو ما يدعم حقيقة أن الأحداث التي وقعت في سوريا مع ربيع عام 2011 “متعددة الجنسيات” وليست بـ“بصمةٍ سوريةٍ”.
“الصيد الثمين” و“معامل الموساد”
نأتي هنا إلى “الصيد الثمين” الذي نرصده في هذه الوثيقة، وهو أحد عناصر التنظيم الذين تم نقلهم للعراق ويتواجدون الآن في “سجن الكرخ المركزي”. هذا العنصر المنتمي إلى تنظيمٍ يرفع شعارات تطبيق “الحدود” وينادي بـ“الخلافة الإسلامية” ينتمي إلى “تل أبيب” ويحمل الجنسية “الإسرائيلية”.
نحن هنا أمام وثيقةٍ رسميةٍ أصدرتها الدولة العراقية، مستندٌ لا يتحدث عن معلوماتٍ استخباراتيةٍ تم رصدها، بل بياناتٌ عن أحد السجناء الذين نقلتهم القوات الأمريكية، وهذا يفتح الباب مجددًا حول صناعة هذه التنظيمات في “معامل الموساد” وعن حقيقة أهدافها ومخططها، ليس “داعش” وحسب، بل كل هذه التنظيمات ذات “الصبغة الواحدة” أو التي تتناول طعامها على ذات المائدة.
“القدس” أم “كريات هممشلاه”
الجماعات التي رفعت شعارات الجهاد و“تحرير القدس” بينها عناصر “إسرائيلية”، وهو ما يفسر الكثير من الأمور التي قد يراها البعض لا منطقيةً، ويضع الأسباب للسياسات التي تتبعها “سلطة الأمر الواقع” في سوريا حاليًا، السلطة التي رفعت على لسان “أحمد الشرع” لافتة “القدس تنتظرنا”، وتبين مع الوقت أن المقصود هنا بـ“القدس” هو حي “كريات هممشلاه” الذي تقبع به أبنية “حكومة الاحتلال”، وليس ما ظن البعض، وأن الانتظار ليس لـ“التحرير” بل لتنفيذ “المخطط” الذي تم تسليمه في سجون الاحتلال الأمريكية بالعراق.
بمجرد أن حطت قدماه دمشق مرتديًا ثياب الحكم، تبدلت الكنية والتف الخطاب، فمن كان “أبو محمد الجولاني” صار “أحمد الشرع”. لا عجب، فلم يكن هذا هو التغيير الأول، فقد سبقه التحول من “أمجد النعيمي” حينما كان في العراق ضمن صفوف تنظيم القاعدة، واستضافته قوات الاحتلال الأمريكية بدعوى الاعتقال بسجون “بوكا” و“كروبر” و“التاجي” منذ يوم الرابع عشر من مايو لعام 2005، وحتى الثالث عشر من مارس لعام 2011.
“إيلي كوهين” و“نظرة غضب”
التغيرات الحادة مع شخصية “الجولاني” لا تتوقف عند حاجز الاسم وفقط، بل دخلت مرحلة تخفيف العقوبات والأحكام، حيث تحول القرار بالإعدام إلى المؤبد ثم الإفراج المريب، مع شرارة اندلاع الأحداث في سوريا مارس 2011، وهو الأمر الذي رُبط فيما بعد بسلسلةٍ من الأحداث أكدت احتواء سترته على سيناريوهاتٍ مسبقةٍ يستهدف تنفيذها.
سقط القناع في دمشق، وتحول “أحمد الشرع” من “تحرير القدس” إلى “تسليم الجنوب السوري” ومقتنيات ورفات الجاسوس “إيلي كوهين”. فلم يلبث أن جلس على كرسي حكم دمشق حتى تسلم الموساد الإسرائيلي كافة مقتنيات هذا الجاسوس الشهير ورفاته، وصارت دوريات الاحتلال الإسرائيلي العسكرية تتجول في الجنوب السوري لمشارف 20 كيلومترًا من دمشق بـ“حريةٍ”، والجماعات التي كانت تقلب الدنيا صراخًا بضرورة تغيير النظام السوري وتسلحت بكل ما هو خفيف وثقيل، تسير الآن “قوات الأمن العام” التابعة لها بجوار كمائن الاحتلال وهي تقوم بتفتيش السوريين دون حتى “نظرة غضبٍ”.
“عربون المحبة”
مع وصول تلك التنظيمات إلى القصر بدمشق، تبخرت الشعارات التي تغنت بها لسنواتٍ في خيام إدلب، وكشف التحول الذي تم لـ“الشرع” من “قائد فصيلٍ مصنفٍ دوليًا” إلى “رجل دولةٍ” عن عمق الاتفاقات والأجندات السرية التي كانت تُحاك في الغرف المظلمة مع الجانب الإسرائيلي.
كانت ديباجة “تحرير الأقصى” هي الوقود الذي يحشد به “الشرع” آلاف الشباب السوري، ويجذب به عشرات الآلاف من خارج سوريا، ولكن ومع وصوله للسلطة صار الحديث عن “الواقعية السياسية” و“احترام القرارات الدولية”.
وبدلًا من توجيه السلاح نحو الجنوب السوري للتحرير، بدأت قواته بتمشيط الجغرافيا السورية لتفكيك ما تبقى من جماعاتٍ كانت تزعج أمن الاحتلال، في خطوةٍ وُصفت بأنها “عربون المحبة”.
“الخوارج” و“البرود العسكري”
لنكن أكثر دقةً، فإن ما كشفته الوثيقة العراقية الأخيرة ليس الأول، ولكنها مستندٌ يُضاف إلى “سجلٍ كاملٍ” مع الإثباتات التي تؤكد علاقة التعاون الاستراتيجي بين تلك التنظيمات وكيان الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يعني أن الوثيقة لم تكن انكشافًا للمستور، بل إعادة التأكيد على ما هو يقينٌ.
الوقائع الأخيرة على الأرض السورية منذ نهاية عام 2024 وحتى الآن مع بدايات 2026، والتي تمثل “البرود العسكري” مع “إسرائيل”، لم تكن صدفةً.
“سلطة الأمر الواقع” قامت بتحييد العناصر التي رفعت صوتها بضرورة فتح “جبهة الجولان”، واعتبرتهم “خوارج” يريدون تعطيل مسيرة الدولة، وهي العناصر التي لم تعِ حقيقة الدور الذي كانوا يقومون به ضد النظام السوري بسبب عمليات “غسل الأدمغة”، وقامت السلطة كذلك بطرد الفصائل الفلسطينية التي طالما احتضنتها دمشق وفتحت لها الأبواب، وهي الفصائل التي رفضت أي نوعٍ من أنواع التطبيع مع كيان الاحتلال.
“ضباط الموساد”
لقاءاتٌ استخباراتيةٌ جرت في “قبرص” بين ممثلين لـ“سلطة الشرع” و“ضباط الموساد”، تم خلالها رسم حدود النفوذ العسكري في الجنوب السوري، وضمان عدم تعرض “الأمن العام” لعناصر “جيش الاحتلال الإسرائيلي”، والسيطرة على أي فصيلٍ معادٍ للاحتلال.
واجتماعاتٌ دبلوماسيةٌ في “باريس” تمت بين “أسعد الشيباني” وزير خارجية الشرع وعناصر الاستخبارات الإسرائيلية، تم خلالها وضع البنود شبه الأخيرة في “مرسوم التطبيع”، وتم الاتفاق على إقامة منتجعٍ ترفيهيٍّ إسرائيليٍّ في القنيطرة، وتبادلٍ تجاريٍّ واقتصاديٍّ وطبيٍّ، وتشكيل “خلية تبادل معلوماتٍ” استخباراتيةٍ.
في خطاب “الشرع” الراهن وتلك التنظيمات التي شكلت “سلطة الأمر الواقع” تم استبدال مصطلحات “الجهاد والمقاومة” بمصطلحات “إعادة الإعمار والنمو”. هذا التحول لم يكن إلا تنفيذًا للمخطط القديم الذي استمر العمل لإنفاذه طيلة ما يقرب من أربعة عشر عامًا.
“صنع الفوضى” و“الارتباط السوري”
لو عدنا سويًا إلى ما حدث خلال الفترة بين عامي 2011 و2024، سنجد تعاونًا واضحًا بين تلك التنظيمات والاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يعني مجددًا أن العلاقة ليست حديثةً، وهو ما أكدت عليه “وثيقة العراق” – التي بدأنا حديثنا بها – من وجود عناصر إسرائيلية ضمن صفوف هذه التنظيمات التي رفعت شعارات الجهاد.
“إسرائيل” أسست الفصائل وشرعت في “صنع الفوضى” وإدارتها بالداخل السوري. ففي عام 2013 أطلق الاحتلال وحدة “الارتباط السوري” التي عملت على تقديم الدعم المعلوماتي واللوجستي في الجنوب السوري، وأشارت بعض الدراسات إلى أن “إسرائيل” قدمت دعمًا طبيًا لأكثر من 4800 مصابٍ من عناصر التنظيمات المسلحة في سوريا، ومنهم فصائل “الجيش الحر”.
“موشيه يعلون” و“أبو صهيب الجولاني”
وقدمت “إسرائيل” تسليحًا وتمويلًا مباشرًا شمل رواتب ثابتةً وصلت لـ5000 دولارٍ شهريًا لعناصر ضمن مجموعاتٍ مثل “فرسان الجولان” التي كان يقودها “أبو صهيب الجولاني”.
“داعش” والتي منها العنصر الذي تحدثت عنه وثيقة العراق، لها نصيبٌ من العلاقات السابقة مع “إسرائيل”، وكشفها وزير الحرب الإسرائيلي “موشيه يعلون” حينما صرح بقوله: “داعش أطلق النار علينا مرةً واحدةً عن طريق الخطأ واعتذر فورًا”، وكان يقصد هنا تنظيم “جيش خالد بن الوليد”، أحد التنظيمات التابعة لـ“داعش”، وهو ما يشير إلى أن هناك اتصالاتٍ وتفاهماتٍ وأدوارًا محددةً لا يتخطاها التنظيم مع “إسرائيل”.
“الخوذ البيضاء” أسسها ضابط المخابرات البريطاني “جيمس لو ميسورييه” وكان يديرها رائد الصالح، الذي أصبح اليوم وزير الطوارئ والكوارث في سلطة الأمر الواقع. هي تنظيمٌ ادعى دومًا العمل الإنساني والإغاثي، لكن المفارقة أنه لم يكن يتواجد إلا في مواقع يسيطر عليها تنظيم “جبهة النصرة”. في منتصف عام 2018 أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أنها نفذت عملية إجلاءٍ لعناصر “الخوذ” من خلال فتح جيش الاحتلال ممراتٍ آمنةً، وتمت العملية بحمايةٍ عسكريةٍ إسرائيليةٍ كاملةٍ وتحت إشرافٍ مباشرٍ من “الموساد” و“الشاباك”، وهو أمرٌ اعترف به “رائد الصالح”، فلا يحتاج دليلًا آخر على تعاون جماعته مع “إسرائيل”.
لم يكن الأمر بعيدًا عن “جبهة النصرة” التي صارت “هيئة تحرير الشام” والتي أسسها وقادها “أحمد الشرع”، فعناصرها أيضًا تلقت العلاج في مستشفيات الاحتلال الإسرائيلي، ورصدت تقارير أممية اتصالاتٍ متكررةً تمت بين عناصر التنظيم وجنودٍ بجيش الاحتلال الإسرائيلي. وهنا لا ننسى تصريح رئيس سلطة الأمر الواقع حينما قال: “لدينا وإسرائيل عدوٌّ واحدٌ”.
“قواعد اشتباك” و“تنسيق ناري”
الواقع الميداني أثبت وجود “قواعد اشتباك” وتعاون بين “جبهة النصرة” و“إسرائيل”. وعلى سبيل المثال، في قرية “مجدل شمس” بعام 2015 قام عددٌ من الدروز في الجولان بالهجوم على سيارة إسعافٍ إسرائيليةٍ كانت تقل عددًا من عناصر “جبهة النصرة” لإسعافهم، ولعل هذا يشير أيضًا إلى العداء الذي تكنه سلطة الأمر الواقع اليوم للدروز.
رصدت تقارير أممية ميدانيًا “تنسيقًا ناريًا” بين “النصرة” و“إسرائيل”، وأشارت إلى قيام مدفعية الاحتلال الإسرائيلي بتوجيه ضرباتٍ على مواقع “الجيش العربي السوري” أثناء تقدماتٍ بريةٍ لمجموعاتٍ من تنظيم “جبهة النصرة”، وهو ما يعني “غطاءً جويًا مباشرًا”.
استخباراتيًا عملت “إسرائيل” على دعم تلك الفصائل بالمعلومات من خلال غرفة عمليات “M.O.C”، حيث استخدمت “طائرات الدرون” للاستطلاع ورصد التحركات الحية للجيش العربي السوري وإبلاغ الغرفة التي تضم أجهزةً استخباراتيةً إقليميةً ودوليةً، ومن ثم وضع تقديرٍ للموقف وإبلاغ الفصائل على الأرض وتقديم الدعم المناسب.
كما وفر “جيش الاحتلال” أجهزة اتصالاتٍ لاسلكيةً مشفرةً للفصائل المسلحة، لضمان تنسيق التحركات والاتصالات والبقاء على الخط المفتوح إسرائيليًا على مدار الساعة.
“الدور المرسوم” و“جيوب الفوضى”
خطٌّ متواصلٌ لم ينقطع بين تلك التنظيمات التي ادعت الثورية والحرية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وعلى طول هذا الخط توجد النقاط الكاشفة، والتي كان آخرها “الوثيقة العراقية”.
لم يقف عند ما حدث، بل يتقدم إلى ما يُخطط له أن يحدث. “الدور المرسوم” لم ينتهِ بعد، فهناك الحرب المرتقبة بين “تل أبيب – واشنطن” من جانب و“طهران” من جانبٍ آخر، وهنا ستلعب “سلطة دمشق” دور “جيوب الفوضى” التي تتحرك صوب الجنوب اللبناني والعراق، لإشغال كل من يمكنه التحالف مع إيران.