كنتُ، كالكثيرين، أظنّ أن من يشارك في عملية فدائية لا بد أن يكون قاسيًا، متصلّب القلب، منزوع الحنان. كنت أتخيلهم وجوهًا جامدة، لا تعرف الخوف ولا الارتباك، ولا تبتسم إلا نادرا. كنا نراهم في نشرات الأخبار بصورٍ مشتعلة، محاطة بالدخان والرصاص، فنتخيلهم كأنهم خرجوا من معدنٍ لا من لحمٍ ودم.
لكن تلك الصورة بدأت تتهاوى، بهدوء ودهشة، حين التقيت عددًا من الأسرى المحرّرين الذين قضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال الصهيوني، جلست أمامهم، واحدًا تلو الآخر، أستمع إلى حكاياتهم، أراقب ملامحهم، وأكتشف أنهم – ببساطة – بشرٌ بعمقٍ لا يوصف، وأن الرقة تسكن أعماقهم كما يسكن الإصرار.
في كل لقاء كنت أخرج بانطباعٍ جديد يبدّد شيئًا من الصورة النمطية التي رسمها الإعلام والحرب. وجدت فيهم الطفل الذي لم يكبر رغم القيد، والشاعر الذي يكتب في صمت، والحنون الذي يخاف على من حوله أكثر مما يخاف على نفسه.
كانوا يتحدثون عن المقاومة كأنهم يتحدثون عن حبٍّ كبير، لا عن كراهية، يتحدثون عن الوطن كما يتحدث العاشق عن امرأة غابت عنه لسنوات. بعضهم كان يتحدث بصوتٍ منخفض، وبعضهم كان يضحك بخجلٍ لا يُشبه في شيء صورة “المقاتل المتجهّم” التي طالما حملناها عنهم.
عندما قال لي أحدهم “نحن لا نحارب لأننا نكره، بل لأننا نحب الحياة التي حُرِمنا منها”، شعرت أنني أمام إنسانٍ يكتب تعريفا جديدا للبطولة.
كان الأسرى من كافة التنظيمات ، يجتمعون في شيءٍ واحد: رهافة الإحساس رغم القسوة التي أحاطت بهم.
بل إن بعضهم كان يبكي حين يذكر طفله الذي لم يعرفه إلا من خلال صورةٍ باهتة مرّت بين الأيدي في زيارةٍ عابرة.
تعلّمت منهم أن الإنسان يمكن أن يخرج من سنوات العزل الطويلة أكثر إنسانيةً، لا أقل. وأن الاحتلال، بكل أدواته الحديدية، لم يستطع أن ينتزع من قلوبهم القدرة على الحلم ولا الحنين.
أدركت أن القسوة التي كنا نراها في وجوههم ليست سوى قناعٍ فرضته المعركة، أما الحقيقة فهي أن تحت ذلك القناع قلوبًا تتّسع لوطنٍ بأكمله.
كنت أحيانًا، وأنا أعود من هذه اللقاءات، أجد نفسي أبكي. ليس من الحزن، ولكن من الدهشة: كيف يمكن لهؤلاء الذين ذاقوا أقسى أنواع العذاب أن يظلّوا قادرين على الابتسام؟
كيف ليدٍ حفرت نفقًا في جدار السجن أن تكون بالقدر نفسه قادرة على لمس طفلٍ برقة؟
كيف لتجربةٍ كلّها وجع، أن تنتج هذا الكمّ من الصفاء الداخلي؟
لم أعد أنظر إلى الأسرى كما كنت. لم أعد أراهم “مقاتلين” فقط، أصبحت أراهم كائناتٍ بشرية راقية استطاعت أن تحفظ داخلها نورًا وسط عتمةٍ طويلة. صاروا بالنسبة لي مرآةً لجوهر الإنسان الفلسطيني: “صلبٌ في الحق، لكنه ناعمٌ في القلب”.
كتب الكثيرون عن بطولاتهم ، لكنني فضلت الكتابة عن دفء أرواحهم. عن ضحكاتهم حين يتحدثون عن تفاصيل صغيرة كطعم القهوة في الصباح، أو أغنيةٍ قديمة كانوا يسمعونها خلسة عبر الراديو. عن تلك الإنسانية التي لا تذبل حتى في أحلك الزنازين.
حين اقتربت منهم، شعرت بالخجل من نفسي، لأنني كنت أظنّهم قساة. لكن الحقيقة أنهم هم الأكثر رقة بيننا، لأنهم عرفوا معنى الألم، وفهموا أن الرحمة لا تقلّ شجاعةً عن البندقية.
لقد علموني أن البطولة ليست في القتال فقط، لكنها تكمن أيضا في القدرة على البقاء إنسانًا رغم كل ما يُراد لك أن تفقده من إنسانيتك.
كنت قبل لقائهم، كلّما سمعت كلمة “أسير” أري سجنا،الآن أصبحت أرى قلبًا لم يُهزَم.