اتسعت رقعة العمران في مناطق الامتداد الغربي للمحروسة على الشوارع الرئيسية التي شقتها الدولة والشوارع الجانبية لها، وحتى العام 1878م تقريباً امتلأت تقسيمات الأراضي بمبانٍ من دورين إلى ثلاثة أدوار بناها البناؤون المستقدم معظمهم من الإسكندرية عن طريق اليونانيين والإيطاليين الذين كانوا معظم من استوطن الامتدادات الحديثة، وما لبثت الدولة أن تدخل في ظل أزمة سياسية واقتصادية أسفرت عن عزل الخديوي إسماعيل عن الحكم عام 1879م، وكان قد اضطر عام 1875م لبيع أسهم مصر في شركة قناة السويس لبريطانيا، ثم أنشئ صندوق الدين العام عام 1876م لإدارة الديون الخارجية ثم فرضت على مصر الرقابة المالية الأوروبية عام 1878م وتكوين حكومة مختلطة برئاسة نوبار باشا وتولى فيها على باشا مبارك نظارة الأوقاف والمعارف الذي كان يتولى نظارة الأشغال ليتولاها مسيو دي بلينير الفرنسي الجنسية.
كانت حكومة إدارة أزمة مالية، فحدث جمود تام في التوسع العمراني فلا شق شوارع جديدة أو توسيعها وإنما صيانة فقط، ولكن كان الإعمار فردياً يسير بخطىً بطيئة دون بناء معماري مميز أو ذو طابع أو طراز له دلالة تذكر، وكان تولي مسيو دي بلينير الفرنسي وزارة الأشغال بمثابة رقيب على مصروفات الوزارة فتجمدت كافة مشروعاتها، وبقيت مساحات كبيرة غير مبنية ما بين المحروسة شرقاً وشاطئ النيل غرباً، وتستمر هذه الحالة مع بداية إطباق بريطانيا على مصر بالاحتلال عام 1882م بدعوى حماية المصالح الأجنبية المالية، ومن ثم صار عمل صندوق الدين العام وضبط الميزانية لصالح المستحقات الأجنبية، ولكن ذلك الوضع أعطى للقطاع الخاص بادرة استقرار مالي عن ذي قبل يستطيع في ظله أن يستثمر داخل الامتدادات العمرانية الحديثة، وفي ظل حكومة احتلال لم يتم شق شوارع جديدة أو مشروعات عمرانية تذكر.
وطبقاً لمصادر تلك الفترة اتخذت جموع الجيش المتوجهة إلى قصر عابدين في سبتمبر عام 1881م استجابة لأحمد عرابي – أحد قادة الجيش حينها – طريقهم عبر شارع قصر النيل من جهة الغرب وشوارع المحروسة التقليدية من الجهات الشرقية والجنوبية، وكان شارع قصر النيل يحمل السمة الرسمية منذ نشأته وبه بعض الإدارات الحكومية، كما أن المنطقة ما بين قصر عابدين وميدان قشلاق قصر النيل كانت وادي اللوق الذي مازال حتى تلك السنة غير معمور إلا من بعض المنشآت الضئيلة ومعظمه منخفضات رطبة، ويبدو أنه كان به بعض الطرق غير المخططة كمسارات قديمة مثل شارع البستان على سبيل المثال الذي بدى كمسار بين البساتين وما عليها طبيعة وادي اللوق آنذاك، وظل الحال كما هو من تأكيد بعض المسارات غير المخططة مع ملء النسيج العمراني ما بين الشوارع الخمسة المستحدثة منذ عهد إسماعيل.
كانت الحكومة في ظل الاحتلال البريطاني تهتم في قطاع الأشغال بما يطور ويصون وسائل الري والزراعة والإنتاج الاقتصادي عموماً لصالح سداد الديون، ولم يكن للتنمية العمرانية بمفهومها الشامل نصيب، إلا أن المناخ العام الاستثماري للنشاط العقاري أصبح أكثر استقراراً عن ذي قبل، خاصة للأجانب الذين رأوا في الاحتلال البريطاني حماية لمصالحهم واستقرار لوضعيات الملكيات العقارية، غير أن ذلك لم يتولد عنه أي عمارة مميزة في الفترة ما بين عامي 1882 و1892م، بل كان الإعمار بمثابة ملء للفراغات داخل النسيج المنشأ وتثبيت شبكة الشوارع، وغاب دور الدولة تماماً في شق طرق رئيسية جديدة، غير أن تلك الفترة أظهرت وجود نسيج أقوى مما سبق وبدأ مسمى حي الإسماعيلية في الظهور خلال الصحافة والإعلانات والتداول الشعبي بعد أن كان في المكاتبات الرسمية فقط أواخر سبعينيات القرن 19، وانتقلت أعداد من التجار والأثرياء من القاهرة التقليدية شرقاً إلى حي الإسماعيلية الحديث بشوارعه العريضة المضاءة ونشاطاته التجارية والإدارية والترفيهية.
كان عهد الخديوي عباس حلمي الثاني الذي تولى الحكم عام 1892م وعمره 17 عام أكثر انفتاحاً وميلاً لاستكمال ما بدأه جده إسماعيل، فقد أحيا مناطق التوسعات الغربية للقاهرة وبدأ حي الإسماعيلية يتشكل ككتلة عمرانية خلال العقد الأخير من القرن 19، ومع تتبع مراحل الإنشاء يبدو لي أن حي الإسماعيلية لم يكن في مبدئه مخطط حي متكامل قدر ما كان مخطط محاور امتداد قامت بها لجنة تنظيم القاهرة برؤية ورعاية الخديوي إسماعيل، وخلال عشر سنوات من تاريخ الاحتلال البريطاني وبعد فترة من الركود كان الحي يجذب الزيادة السكانية ومريدي الشوارع الحديثة ونشاطاتها، ثم تحول الحي من منتصف التسعينيات لمنطقة جذب استثماري وعمراني حيث كان لنزوح التجار والمكاتب والشركات أثره في ارتفاع كثافة السكان والأنشطة وارتفاع أسعار الأراضي، وبدأت حركة بيع وشراء أراضي وهدم وبناء عقارات أحدث، كما ضمت بعض الأراضي الصغيرة لتكوين قطع أكبر وامتدت تلك الفترة حتى حوالي عام 1905م.
كان شارع سليمان باشا أول شوارع حيّ الإسماعيلية التي التقطت لحظة التحول العمراني، فباعتباره العمود التجاري للحي، شهد الشارع مبكراً قرارات هدم وإعادة بناء، وظهور عمارات أعلى وأكثر استثمارية، ما جعله المؤشر الأوضح على انطلاق الحراك العمراني الجديد، وتمثل التحول في ارتفاع إلى خمسة أدوار وتحسين الواجهات وتأكيد الأنشطة التجارية بالدور الأرضي، كذلك انتشر الحراك تدريجياً إلى شوارع البورصة – عبد الخالق ثروت لاحقاً – وعماد الدين والشريفين كلٌ حسب وظيفته، ومع ذلك لم نستدل في المراجع مع بداية القرن العشرين على أي عمارة ذات طراز متميز أو شهرة، وإنما بدأت تظهر عمارات مسماة بأسماء أصحابها أو تجمع نشاطات فيها، غير أن الدلالة المهمة في هذا التحول أن أصبحت العمارة ليست كمنتج وإنما دلالة هوية، تلك اللحظة الفارقة في كيان الحي ليس كنسيج وإنما كنمط حياة، يلفت انتباه المستثمرين إلى معنى وراء السعي لإنشاء عمارة مستدامة ومرحلة تطوير جديدة.
دكتور وائل زكي
استشاري التخطيط العمراني