أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

وسط البلد.. من الحريق إلى استعادة البريق

د. وائل زكي

لم يدخل وسط البلد عهد ثورة يوليو في كامل الزينة، فقد سبقت الثورة بستة أشهر فقط نيران أتت خلال ساعات على مئات المنشآت في قلب القاهرة، فكانت الواجهات المحترقة والمحال المغلقة ودور العرض والفنادق والمقاهي التي أصابها الدمار بعض ما ورثه النظام الجديد في أكثر مناطق العاصمة حيوية. لكن وسط البلد لم يكن حيًّا تاريخيًّا فقد وظيفته وينتظر الإنقاذ، بل ظل، رغم ما أصابه، مركزًا للإدارة والأعمال والثقافة والفن. ولذلك، لم يكن ترميم ما أصابه الحريق مجرد إصلاح لمبانٍ محترقة، وإنما استعادةً لقلب القاهرة كي يواصل عمله ودوره.

وفي بداية الخمسينيات، كان ميدان الإسماعيلية نفسه يحمل صورة مكثفة لما مرت به مصر من تحولات؛ فإلى الشمال وقف المتحف المصري حاملًا ذاكرة حضارتها القديمة، وإلى الجنوب مجمع المصالح الحكومية، ممثلًا لدولتها الإدارية الحديثة، بينما احتلت ثكنات قصر النيل جانبه الغربي، حاملةً ذكرى الوجود العسكري البريطاني. وفي قلب ذلك المشهد، ظلت قاعدة أُعدت لتمثال الخديوي إسماعيل، الذي حمل الميدان اسمه، خاليةً؛ إذ لم يسمح له التاريخ بأن يعتليها. فكأن الميدان، قبيل الثورة، كان يجمع في فراغ واحد ذاكرة مصر القديمة، ودولتها الحديثة، وآثار الاحتلال، ومشروعًا ملكيًّا لم يكتمل.

وبينما كان الميدان يتهيأ لوضع سياسي جديد، كانت شوارع قصر النيل وعدلي وسليمان باشا وما حولها تشهد عملية واسعة لإصلاح ما أحدثه الحريق. وفي ظل مشهد سياسي متوتر، لم تنتظر الدولة قيام ثورة لتبدأ مواجهة آثار الكارثة، فقد شرعت منذ الشهور الأولى في صرف المساعدات والتعويضات لأصحاب المحال والمنشآت المتضررة، وتقديم التسهيلات اللازمة لإعادة نشاطها. ثم استمرت جهود إعادة الإعمار بعد يوليو في ظل النظام الجديد. ولم يكن الاهتمام بوسط البلد مجرد ترميم لواجهات أضرت بها النيران، وإنما محاولة سريعة لاستعادة النشاط الاقتصادي والحياة اليومية في قلب العاصمة، والحيلولة دون أن يتحول الحريق من كارثة عمرانية إلى أزمة اقتصادية واجتماعية ممتدة.

أخبار ذات صلة

Screenshot_٢٠٢٦-١٠-١٥-١٩-٢٧-٣١-٤٣٥_com.facebook
استهداف المعاشيق.. 8 صواريخ تضرب القصر الرئاسي في عدن
images (2)
استهداف خط تصدير غاز الجبسة في الحسكة واندلاع حريق ضخم
images (1)
"أرقام مفزعة".. حصيلة ضحايا استهداف مطارات المملكة السعودية

وتضافرت جهود الدولة في تلك الفترة شديدة الحساسية مع جهود الشركات وأصحاب الأعمال، فسارعت إلى إصلاح المنشآت التي أصابها الحريق، وإعادة تأهيل ما تهدم منها واستعادة نشاطها. فعادت المحال الكبرى، وفي مقدمتها شيكوريل وعمر أفندي، كما أُعيد تأهيل عدد من دور السينما والفنادق والمقاهي والمطاعم التي طالتها النيران، ومنها جروبي. حتى بدا وسط البلد كخلية نحل في سباق مع الزمن لاستعادة نشاطه التجاري والإداري والترفيهي، ووجهه الذي عرفته القاهرة. ولم تكن دوافع الطرفين واحدة؛ فالدولة كانت معنية باستعادة الاستقرار والحياة في قلب العاصمة، والحفاظ على آلاف العاملين المرتبطين بتلك الأنشطة، بينما كان أصحاب الأعمال يسابقون الزمن للعودة إلى سوق لم تفقد أهميتها. حتى إن بعض الأنشطة لم تغب عن الشوارع خلال أعمال الإصلاح، فواصلت عملها مؤقتًا في سرادقات خشبية إلى أن انتهت أعمال إعادة الإعمار.

وكان من التحولات اللافتة في تلك السنوات بروز جيل من المعماريين والمهندسين المصريين الذين أصبحوا يتقدمون المشهد المهني، بعد عقود كان للمعماريين الإيطاليين والفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين حضور بارز في تشكيل عمارة وسط البلد. ولم يكن الأمر مجرد إحلال أسماء مصرية محل أسماء أجنبية، بقدر ما كان تعبيرًا عن نضج خبرة معمارية وهندسية مصرية أصبحت قادرة على التعامل مع المدينة القائمة وتطويرها. فالمطلوب لم يكن إعادة بناء الجدران المحترقة فحسب، وإنما إصلاح مبانٍ لها شخصيتها وطرزها المميزة، مع استيعاب احتياجات عصر جديد وتقنياته. وهكذا، شارك المعماري المصري في استعادة وسط البلد، لا بهدم ما ورثه ممن سبقوه وبناء مدينة أخرى، وإنما بإضافة طبقة جديدة إلى مدينة كانت قد اكتملت ملامح شخصيتها بالفعل.

وكان من التحولات اللافتة في تلك الفترة أن إعادة إعمار وسط البلد لم تعد تعتمد على البيئة المهنية الأجنبية التي ارتبطت بنشأتها الأولى؛ فقد كانت مصر قد كوّنت بالفعل خبرات هندسية ومعمارية ومؤسسات فنية قادرة على التعامل مع مباني المدينة القائمة وتطويرها. وكان المعماري الدكتور محمد كمال إسماعيل، الذي تولى رئاسة مصلحة المباني الأميرية وصمم مجمع المصالح الحكومية، واحدًا من أبرز وجوه ذلك التحول؛ فلم يعد المعماري المصري مجرد مشارك في حركة البناء، بل أصبح حاضرًا في مواقع القيادة والتصميم وصنع القرار الفني.

وهكذا، أصبحت استعادة وسط البلد بعد الحريق هدفًا التقت حوله مصالح الدولة ورأس المال والنشاط الحضري للناس؛ فالدولة تريد استعادة الاستقرار والحياة في قلب العاصمة، وأصحاب الأعمال يريدون استعادة نشاطهم واستثماراتهم، والناس يريدون العودة إلى أعمالهم ومتاجرهم ومقاهيهم ودور عرضهم. وكان التقاء تلك المصالح كفيلًا بأن يعيد إلى الحي كثيرًا من بريقه، لكنه فرض في الوقت نفسه أعباءً مالية كبيرة على أصحاب العقارات والمنشآت المتضررة، خاصة مع الحاجة إلى الإصلاح والتطوير معًا. وهنا بدأت تظهر مشكلة بعض الملاك الأفراد، ومن بينهم أجانب لم يستطيعوا أو لم يرغبوا في تحمل تلك الأعباء، فبدأت تظهر بوادر تغير في خريطة الملكية، مع دخول رؤوس أموال أكثر قدرة على تحمل تكلفة الإصلاح والاستثمار.

وخلال أربع سنوات فقط، من حريق القاهرة عام 1952 إلى ما قبيل أحداث 1956، كانت وسط البلد قد قطعت مرحلة شديدة الأهمية من تاريخها. تبدل النظام السياسي، وأُعلنت الجمهورية عام 1953، بينما استعادت مباني الحي ومحاله ودور عرضه ومقاهيه كثيرًا من بريقها، وظل الحي مركزًا للإدارة والأعمال والثقافة والفن. وفي الوقت نفسه، كان ميدان الإسماعيلية القديم يعيد تشكيل صورته ومعناه، من ميدان حمل اسم الخديوي وذاكرة الاحتلال إلى رمز لدولة جديدة تتطلع إلى الاستقلال والتحرر.

غير أن ما بدا على واجهات وسط البلد استعادةً للحياة والاستمرار كان يخفي وراءه بدايات تحول آخر؛ فقد أخذت خريطة الملكية نفسها تتحرك، وبدأ الوجود الذي أسهمت من خلاله بعض الجاليات الأجنبية في صناعة الحي يتراجع تدريجيًّا. وحين أطل عام 1956، كانت أربع سنوات قد أعادت إلى وسط البلد كثيرًا من بريقها، لكنها كانت أيضًا على أعتاب أحداث ستجعل التحولات التي بدأت هادئة خلف واجهاتها أكثر عمقًا وأسرع إيقاعًا… فللقصة بقية.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

د. وائل زكي
وسط البلد.. من الحريق إلى استعادة البريق
محمد منير
محمد منير.. يهمني الإنسان ولو ملوش عنوان
الرئيس عبد الفتاح السيسي
إشارة جديدة للرئيس في احتفال أكاديمية الشرطة: سأواصل العمل حتى آخر يوم في الحكم عام 2030
IMG-20261010-WA0103
من بني سويف إلى تجارب الخلايا الحرارية.. أحمد دياب: أعمل منذ 2013 على تطوير التقنية وأحتاج استكمال الاختبارات

أقرأ أيضًا

مرتضى منصور
مرتضى منصور يطالب السيسي بالإفراج عن سجناء الرأي واستقلال القضاء قبل 2030
الدستور
عن "عقدة الثقة" ورهان 2030.. ما بعد تصريح السيسي عن الدستور
متى يشهد أسعار الذهب انخفاضا في الأسواق بعد الارتفاع التاريخي؟
حالة من الاستقرار النسبي.. تعرف على أسعار الذهب اليوم
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ