بينما كنتُ طفلةً في الصف الأول الإعدادي، وفي شهر يناير الذي يوافق إجازة منتصف العام، التي كنت أنتظرها على أحرّ من الجمر لكي أتحرر من قيود اليوم الدراسي وأذهب إلى «بيت جدي» لأستمتع بجلسات الشتاء الطويلة حول «موقد النار»، والحكايات التي لا تنتهي، والضحكات التي لا تتوقف.
ولكن جاءت هذه الإجازة مختلفة تمامًا؛ لا صوت يعلو فوق صوت التلفاز والنشرات الإخبارية. كل الأحاديث من الشارع إلى البيت تدور حول حدوث مظاهرات بالقاهرة والمحافظات الكبرى تنادي «برحيل مبارك».
ولأنني كنت طفلة فضولية محبة للاطلاع وسماع الأخبار والأحداث، ضربت بخططي لإجازتي عرض الحائط، وتخلّيت عن حقي في اللعب واللهو، واعتكفت أمام التلفاز أتابع وأشاهد كل ما يحدث بدقة. تبلورت في عقلي خلفية عمّا يحدث، وهي أن هؤلاء الشباب يقومون بما يُسمّى ثورة ضد نظام مبارك.
أتذكر صوت مذيعي الأخبار، والشاشة وهي منقسمة إلى عدة أجزاء تعرض محافظات وميادين مصر المختلفة. وأتذكر نفسي وأنا لم أترك أي شخص أكبر مني إلا ووجهت له الأسئلة عن بعض المشاهد والمصطلحات التي تُقال على الشاشة ولم يستوعبها عقلي. كنت أجد في بعض الأحيان إجابات، وفي أحيان أخرى لا أجد.
كانت أمي تضجر مني بسبب أنني المسيطر الأقوى على التلفاز؛ لا أريد سوى القنوات الإخبارية، وهي تريد أن تُسلي وقتها بمسلسل أو فيلم. تتوالى الأحداث، وأنا متابع جيد.
وفي أحد التجمعات العائلية، وكان الحديث يدور حول الأحداث، قلت بكل حماس وثورية: «أنا نفسي أروح معاهم في ميدان التحرير علشان نسقط نظام مبارك». ردّ عليّ أحد أفراد العائلة بسخرية قائلًا: «يعني شوية العيال دول وإنتِ كمان لو روحتي هتسقطوا النظام؟».
عدت في ذلك اليوم وأنا في قمة غضبي. قطّعت عدة أوراق من كراسة الرسم الخاصة بي، وكتبت عليها شعارات الثورة: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، و«الشعب يريد إسقاط النظام»، وعلّقتها على جدار غرفتي المتواضعة. كانت أقصى أمنياتي أن ينتصر هؤلاء الشباب على نظام مبارك.
لم أكن يومها على دراية بفساد نظام مبارك، ولكني أرجّح أن سبب كرهي هذا هو أنني كنت متابعة جيدة لبرنامج «واحد من الناس» الذي كان يقدمه عمرو الليثي. كنت أنتظره بشغف شديد؛ كان يعرض معاناة وظروف الطبقة المتوسطة، ويعرض نماذج أنهكتها الظروف الاقتصادية، وحالات مرضية لا تجد علاجًا، وأماكن عشوائية معدومة الخدمات، ويلوم المسؤولين على ذلك. كانت دموعي تسيل تأثرًا في بعض الحلقات.
كما أنني كنت قد استمعت إلى عدة أعمال فنية، بعضها ينقل الحالة التي كانت عليها البلاد من فقر وفساد، أتذكر منها فيلم «بنتين من مصر» الذي ترك داخلي بصمة لا تُنسى إلى الآن. كنت أشعر بعقلي الطفولي أن انتصار الثورة سوف يجعل هؤلاء وغيرهم سعداء، ويمنحهم حياة كريمة أفضل من تلك التي كان يعرضها الليثي.
واصلت المتابعة حتى جاء اليوم الحاسم الذي حُفر في ذاكرتي وذاكرة كل من عاشه؛ لحظة تاريخية. بينما كنا نستمع إلى الأخبار، جاء بيان عاجل، وكان قد حدث قبلها وطلّ علينا مبارك بخطاب مؤثر، أتذكر نبرته إلى الآن. بكت أمي وأفراد العائلة يومها من شدة تأثرهم به.
ولكن طُلّ علينا هذه المرة «عمر سليمان»، وقرأ خطاب التنحي. فرحت فرحًا شديدًا، كأنني أشعر بالانتصار. بثّت كل الشاشات فرحة الملايين في الشوارع والميادين، ولكنني كنت حزينة لأن قريتي لم تشهد أي مظهر احتفال.
مرّت الأيام والأحداث، وظلت عدة أشياء وتساؤلات في ذاكرتي: هؤلاء الشباب المثقفون الأحرار الذين يهتفون بالحرية والعدالة الاجتماعية، خوفهم على الفتيات، ومشاهد التعاون بينهم، ومشهد صلاة الجمعة والمسلمون يصلّون والمسيحيون هم العين التي تحرسهم، ومشهد الشاب العشريني الذي يقف بمفرده أمام مركبة ولا يخشى أن تدهسه فتتوقف أمام شجاعته.
شباب في عمر الزهور من كل مكان، يفترشون الأرض تاركين بيوتهم الآمنة وأعمالهم، ومعتكفين معرضين للخطر. ورأيت أيضًا بعيني نفسها موقعة الجمل، ودماء الشهداء، وصراخ النساء. رأيت الحرق والخراب والدمار، وكنت أتساءل: هؤلاء مَن؟ وأولئك مَن؟
لم أكن أعرف يومها اتجاهات ولا توجهات ولا أجندات ولا مخططات غربية، ولكنني كنت مؤمنة أن الشباب الذي هتف بكل شجاعة لا يمكن أن يكون هو من ساهم في هذا الخراب.
اشتريت بوسترًا به صور الشهداء، أحتفظ به إلى الآن، في وسطه جملة: «الورد اللي فتح في جناين مصر». تعلّقت بصور شباب الثورة، وتابعت قصصهم فيما بعد. أحببت سالي زهران لدرجة أنني وضعت صورتها خلفية لجهاز الكمبيوتر الخاص بي. حمّلت أغنية «صوت الحرية» وكنت أستمع إليها كل يوم، ووضعتها نغمة لهاتفي.
زرت القاهرة بعدها، وأول طلب طلبته هناك زيارة ميدان التحرير. وتوالت الأحداث؛ فرحت فرحة الصغار بالثورة، وحزنت حزن الكبار على ثمارها التي لم تُحصد بعد.
لحظة نور كانت ستصبح ميلادًا جديدًا لنا، ولكنني ما زلت أتساءل: أين هي؟