في صباح بارد من يناير، لم يكن أحد يتخيل أن شوارع القاهرة ستتحول إلى مسرح مفتوح، وأن جيلًا لم يكن محسوبًا في دفاتر السياسة سيكتب سطرًا جديدًا في تاريخ البلد، لم تكن ثورة 25 يناير مجرد هتاف ضد نظام، بل كانت لحظة نادرة شعر فيها المصري لأول مرة أن صوته لا يرتد إليه صدى فقط، بل يصنع واقعًا.
نحن جيل لم يعش الثورة كاملًا بوعيه، لكنه عاش آثارها في كل شيء: في خوف البيوت، في صمت الآباء، في أسئلة لم نجد لها إجابات في المدارس ولا في نشرات الأخبار، كبرنا ونحن نسمع كلمة “يناير” تُقال أحيانًا بحنين، وأحيانًا بتحذير، وأحيانًا كأنها خطيئة يُفضل تركها خلفنا. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية: كيف تتحول الثورة من حلم جماعي إلى ذكرى مرتبكة؟
محمد حسنين هيكل، كان يقول إن أخطر ما يواجه الأمم ليس الهزيمة، بل ضياع المعنى، وما ضاع بعد يناير لم يكن السلطة فقط، بل المعنى نفسه، لماذا خرج الناس؟ ماذا أرادوا بالضبط؟ ومن الذي كتب الرواية الأخيرة للحدث؟ الإجابات تغيّرت بتغير الشاشات، وتبدلت بتبدل المصالح، حتى صار الحدث الواحد له ألف سردية، ولا حقيقة واحدة.
جيل زد يقف اليوم أمام ثورة لم يصنعها، لكنه يدفع ثمن ارتباكها، يرى صور الميدان كما يرى صورًا قديمة لمدينة أسطورية: جميلة، بعيدة، وممنوعة من التكرار. يسأل: هل كانت لحظة شجاعة؟ أم لحظة اندفاع؟ هل كنا قريبين من الحلم؟ أم أن الحلم كان أكبر من قدرتنا على حمايته؟
المفارقة أن من صنعوا يناير لم يكونوا محترفين في السياسة، بل هواة في الحلم. وهذا ما جعل اللحظة نقية، ثم جعلها عرضة للتبدل، فالثورات لا تتغير بالقوة فقط، بل تتغير حين يتعب أصحابها، ويأتي من يكتب النهاية بدلًا عنهم.
اليوم، لا نعيش زمن الثورة، بل زمن ما بعدها. زمن الأسئلة الثقيلة: ماذا تغير فعلًا؟ من ربح؟ من خسر؟ ولماذا كلما حاولنا تذكر الحلم، نفضل ترك الماضي خلفنا؟
لكن التاريخ لا يُمحى بالرغبة. والذاكرة لا تُحذف بالقرار. 25 يناير لم تعد ميدانًا فقط، بل سؤالًا مفتوحًا في عقل كل شاب يبحث عن معنى لبلده، وعن دور لنفسه فيها.
ربما لم نعد نهتف في الشوارع، لكن الأسئلة ما زالت تهتف في رؤوسنا. وربما ضاعت ملامح الحلم مرة. لكن الأحلام بطبيعتها لا تموت، بل تنتظر جيلًا أهدأ، أذكى، وأقل اندفاعًا ليحاول من جديد.
وهنا يقف جيل زد.. لا ليعيد يناير، بل ليفهمها أولًا.
لأن من لا يفهم الحلم، لا يستطيع أن يحميه حين يعود.