أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

الجنس المسكوت عنه.. هل أصبح الحديث فرضًا؟

لأجيالٍ طويلة، لم يكن الصمت عن الجنس في مجتمعاتنا مجرد خيارٍ أخلاقي، بل كان نظامًا اجتماعيًا كاملًا، تحكمه قواعد غير مكتوبة لكنها شديدة الصرامة. لم يكن «العيب» مجرد كلمة، بل أداة ضبط تُستخدم لإسكات الأسئلة، وقمع الفضول، وإنتاج الخوف من المعرفة. وبدلًا من أن تُدار موضوعات الجسد والعلاقات داخل إطارٍ تربوي أو علمي، جرى نفيها إلى الظل، وكأن تجاهلها يُلغي وجودها.

لم يُطبَّق هذا النظام بالتساوي؛ فالنساء تحديدًا وُضعن في موقع أكثر هشاشة: مُنعن من المعرفة، وطُلب منهن الحفاظ على براءة دائمة، وأُدينَّ إن عبّرن عن وعي، أو رغبة، أو حتى تساؤل. هكذا تحوّل الجهل إلى «فضيلة»، بينما أصبح الفهم جريمة أخلاقية. ولم تكن النتيجة مجتمعًا أكثر أخلاقًا، بل مجتمعًا أقل وعيًا، وأكثر ارتباكًا في علاقته بجسده وبالآخرين.

كسر الصمت… ولكن من أي باب؟

أخبار ذات صلة

IMG_2878
عماد أبو غازي يكتب: هذه هي أمي
مارسيل خليفة
مارسيل خليفة يكتب عن أمه: ماتيلدا
IMG_2880
إسراء حديري: ابني غير حياتي وأمي صنعت لي "حياة أوسع"

في السنوات الأخيرة، بدأ الصمت يتصدّع. ظهرت أصوات تتحدث عن الجنس، والجسد، والعلاقات، لكن كثيرًا من هذه المحاولات خرج من بوابة التمرّد لا المعرفة. خطاب حاد، صادم، أو مستفز، أحيانًا أقرب إلى تصفية حسابات مع المجتمع منه إلى محاولة جادة لبناء وعي صحي. هذا النوع من الخطاب، رغم جرأته، ساهم أحيانًا في تعميق الاستقطاب بدلًا من فتح نقاش حقيقي.

المشكلة ليست في الحديث ذاته، بل في غياب الإطار. فبين صمت خانق وخطاب صدامي، ضاعت المساحة التي كان يمكن أن تحتضن ثقافة جنسية علمية، هادئة، ومسؤولة. مساحة لا تُشيطن الجنس ولا تُقدّسه، بل تفهمه بوصفه جزءًا طبيعيًا من التجربة الإنسانية، يحتاج إلى معرفة لا إلى إنكار.

الثقافة الجنسية: من الأخلاق إلى العلم

من منظور علم الاجتماع، لا يُنظر إلى الجنس باعتباره فعلًا فرديًا فقط، بل كظاهرة اجتماعية تتقاطع مع السلطة، والتربية، والاقتصاد، والثقافة. الباحث الفرنسي ميشيل فوكو، على سبيل المثال، أشار إلى أن المجتمعات التي تفرض الصمت لا تُلغي الجنس، بل تعيد إنتاجه في أشكال مشوّهة، غير منظمة، وخاضعة لعلاقات قوة غير متوازنة.

الثقافة الجنسية لا تعني تعليم الممارسة، بل تعني بناء فهم علمي للجسد، والحدود، ومفهوم الرضا. وهي تشمل معرفة أساسية حول التطور الجسدي، والصحة الإنجابية، والعلاقات الصحية، والفرق بين الرغبة والانتهاك. هذا النوع من المعرفة، وفقًا لدراسات اجتماعية متعددة، يُقلّل من السلوكيات الخطرة، ويُعزّز القدرة على حماية الذات، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.

الكبت، العنف، والجريمة: علاقة موثّقة علميًا

تشير أبحاث في علم الاجتماع وعلم الجريمة إلى وجود ارتباط واضح بين الكبت الجنسي، وغياب التثقيف، وارتفاع معدلات الجرائم الجنسية. ففي المجتمعات التي يُترك فيها الجنس خارج أي نقاش تربوي، يلجأ الأفراد — خصوصًا الذكور — إلى مصادر بديلة للتعلّم، غالبًا ما تكون مواد إباحية عنيفة أو مشوّهة. هذه المواد لا تعكس علاقات إنسانية صحية، بل تُعيد إنتاج مفاهيم السيطرة، والإكراه، وتشييء الجسد.

تفسّر نظرية «الضغط الاجتماعي» (Strain Theory) في علم الجريمة كيف يمكن للحرمان، والكبت، وعدم القدرة على التعبير المشروع عن الاحتياجات، أن يدفع بعض الأفراد إلى سلوكيات عنيفة أو إجرامية. وعندما يترافق هذا الضغط مع غياب لغة واضحة عن الجسد والحدود، يصبح العنف الجنسي أحد أشكال التفريغ المشوّه.

كما تشير دراسات أخرى إلى أن الأطفال الذين لا يتلقّون تثقيفًا جنسيًا مبكرًا — مناسبًا لأعمارهم — يكونون أكثر عرضة للاعتداء، وأقل قدرة على الإبلاغ عنه أو فهم ما يحدث لهم. الصمت هنا لا يحمي البراءة، بل يتركها بلا دفاع.

الإنترنت كبديل خطير للتربية

في عصر الوصول المفتوح، لم يعد السؤال: هل سيتعرّف الأطفال والمراهقون على الجنس؟ بل: من أين؟

عندما تغيب الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات التربوية، يتولى الإنترنت هذا الدور. ووفقًا لعلم الاجتماع الرقمي، فإن المحتوى الجنسي المنتشر على الإنترنت غالبًا ما يكون تجاريًا، وذكوريًا، وعنيفًا، ويقدّم صورة غير واقعية للعلاقات، قائمة على الهيمنة لا التفاهم.

هكذا تتكوّن تصورات مشوّهة عن الرجولة، والأنوثة، والرضا، دون أي تصحيح أو نقاش. وفي هذا السياق، يصبح نشر محتوى تثقيفي علمي ليس ترفًا، بل محاولة لاستعادة دور المجتمع في التربية، بدلًا من تركه لخوارزميات السوق.

الحديث كفعل مسؤولية لا استفزاز

ربما ما يربكنا في هذا الملف ليس الجنس ذاته، بل مواجهة موروثاتنا العميقة، وخوفنا من فقدان السيطرة الأخلاقية. لكن التجربة تثبت أن الصمت لم يمنع الجرائم، ولم يحمِ النساء ولا الأطفال، بل ساهم في خلق بيئة مرتبكة، تفتقر إلى اللغة، والوعي، والمساءلة.

من وجهة نظري، وربما من وجهة نظر كثيرين لا يزالون يتحدثون همسًا:

«الأشياء التي تُشعرنا بعدم الارتياح هي غالبًا أكثر الأشياء التي يجب أن نتحدث عنها».

ليس بهدف الصدمة، بل بهدف الفهم. وليس لإلغاء القيم، بل لحمايتها من التآكل. فالحديث عن الجنس اليوم لم يعد تمرّدًا أخلاقيًا ولا رفاهية فكرية، بل فرضًا اجتماعيًا فرضه فشل الصمت، وتكلفة الجهل، وثمن السكوت الطويل

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم
bc0b9f1c-abfa-4425-a08c-c93c9bee8443
الشاعر أحمد طه: عادت طفلة بجلباب أزرق
IMG_2913
رنا التونسي: إلى حياة طه.. أمي وقبلتي الأولى
6696aca5-5aba-4abc-a5b9-608fe6187567
إيمان عبد الرحيم تكتب: قسوة أمي المليئة بالحنان

أقرأ أيضًا

الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب
فنان الكاريكاتير سعد حاجو
فنان الكاريكاتير سعد حاجو يكتب: أمي.. فدوى قوطرش
محمد المنشاوي
حِرَف وحِرَفيون وبينهما زبائن!!
IMG-20260320-WA0000
الموسيقى والسمك المملح واللبس الجديد.. تقاطعات بين عيدي الأحفاد والأجداد