بعد التحول الذي طرأ على حي الإسماعيلية من حيث الاتجاه إلى عمارة تتحسس الطريق إلى إبراز هوية في المكان، وقد بدأ الحي في اكتمال نسيجه حول الشوارع الرئيسية الخمسة، وتنتهي تلك المرحلة التي امتدت حتى عام 1905م بأن يلفت الحي نظر المستثمرين إلى تطويره بشكل استثماري ساعد في ذلك المناخ السياسي في مصر الذي انتقل أيضاً في ظل الاحتلال البريطاني من مرحلة الصدمة إلى مرحلة الاعتياد.
وأصبح النظام الإداري والقانوني مستقر بما يكفي لطمأنة المستثمرين، بينما وفّر عهد عباس حلمي الثاني هامشاً من الحيوية الاجتماعية والحياة العامة، فلم تعد العمارة مجرد استثمار إيجاري، بل تحوّلت إلى أداة تمثيل ومكانة، ممهِّدة لظهور المباني الأيقونية في الحي، وأقصد بالأيقونية هي التي تمثل رمز بصري وتعبر عن هوية مكان وتعكس قيمة ثقافية وتجذب الانتباه وتثير الإعجاب للرائي والمستخدم.
اللافت أن الاستثمار لم يوقفه ظروف الاحتلال طالما أن المناخ الاستثماري مستقر، وأن فترة العشر سنوات الأولى من الاحتلال كانت فترة جمود تبعها فترة حذر، تَقدم ثم تريث ثم بناء قابل للتعديل أو غير مستدام في ظل انسحاب شبه كامل للدولة من الساحة العمرانية، وبدا مع نهاية القرن 19 شكل من أشكال التعامل المتعارف عليه والسائد الذي يبدو فيه هدوء للخطاب السياسي في مقابل الخطاب الاجتماعي ونشاط الصحافة وتبلور الطبقة الوسطى وبدت الحياة العامة تحتاج تطوير حي الإسماعيلية ليعبر عما تحتاجه تلك الطبقة بما فيها مثقفين أو طبقة برجوازية جديدة من أجانب ومصريين، ويبدو أن الاحتلال انتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة النظام المستقر على ما هو عليه وبالمعنى الدارج “أخذ راحته”، وقد يؤشر ذلك إلى أن الاستثمار يحتاج رواج في العلاقات وهدوء في السياسة لا حماسة ثورية، كما أن الحكومة لا تنافس ولا تعيد تخطيط أو تتراجع في سياسات ولا تهدم وإنما تركت فراغاً يسمح للقطاع الخاص بتملك المشهد العمراني المعماري.
الواقع أن العمارة الأيقونية بمفهومها المتقدم آنفاً لا تولد مع التحول الاقتصادي فقط بقدر ما تولد مع لحظة نضج تاريخي حضري كامل يعي الواقع بظروفه والمستقبل بآماله ويتخذ قراراً بتخليد ذلك الوعي لا بتخليد تلك الظروف التي نشأ فيها، ومن ثم فإن العمارة هي خير معبر عن ذلك الوعي الحضري، والمستثمر الذي يتخذ قرار المضي في وضع بصماتها هو شخص منافس وليس شخص مضطر تحكمه قيود الوقت وحسابات التكلفة، ولابد أن يكون المعبّر عن الرؤية قديراً على التعبير، معمارياً فناناً وليس بنّاء اعتيادي، والواقع أن الأرض الخصبة لتلقي ذلك التوجه كان حي الإسماعيلية الذي أثبت تماسكه كشبكة طرق شديدة الأهمية لما يدور فيها من أنشطة تجارية ومالية وإدارية في حين ظهرت أيضاً الرغبة في إيجاد سكن فاخر ليس في حي يكتظ بتلك الأنشطة وإنما يناسب كبار الموظفين البريطانيين والدبلوماسيين وطبقة الأثرياء، إنه نمط جديد في طلب السكن فظهر على محيط حي الإسماعيلية وفي الاتجاه المتاح جنوباً حي جاردن سيتي بتخطيطه الحدائقي الإنجليزي كنموذج بديل وليس امتداد لمفهوم إنشاء حي الإسماعيلية.
لقد بدا حي الإسماعيلية في موقع وسط بين القاهرة التراثية شرقاً والنيل غرباً حيث أصبح اختراقه نحو امتدادات بالجيزة وشيكاً والمخطط السكني الراقي جنوباً والذي يقطنه كثير ممن لديهم شركات وأعمال بحي الإسماعيلية، كما أنه من الأهمية الإشارة إلى أن شوارع غير مخططة أي لم تكن بقرارات حكومية ظهرت بالحي وتشكلت تدريجياً على مسارات قائمة تربط بين الشبكة المخططة، أخذت أهميتها عبر عوامل السوق وملء الفراغات داخل النسيج العمراني للحي، وبذلك وجد شارعي عدلي وشريف باشا وشوارع بمنطقة وادي اللوق مثل البستان والفلكي، وكلها شوارع كانت الوظائف التجارية والإدارية والمالية هي أكثر ما يغلب عليها، حتى أن أول مبنى أيقوني بحي الإسماعيلية كان تجاري إذ تشير المصادر أن شيكوريل كان له السبق في ذلك، فقد كان مورينيو شيكوريل الإيطالي يمتلك العديد من المحلات التجارية منذ عام 1887م وتوسع في تجارته حتى أنشأ محلاً له بحي الإسماعيلية عام 1905م وربما لم يكن هو المحل الراقي المعروف في شارع فؤاد أو 26 يوليو لاحقاً.
ويجدر الإشارة أن بنايات الحي في بدايات القرن العشرين لم تحظَ بقدر كافٍ من التوثيق الفوتوغرافي، حيث كانت الأنشطة في أماكنها بالحي تسبق العمارة، وإن كانت في غير مواضعها التي بدأت بها داخل الحي، فإذا كان شيكوريل بدأ نشاطه في عالم الأزياء في مكان ثم انتقل نشاطه إلى عمارته التجارية، فإن جروبي الذي قدم إلى مصر أواخر القرن 19 أسس نشاطه عام 1909م داخل الحي على شارع المناخ وهو ما عرف لاحقاً بشارع عبد الخالق ثروت، وربما كان مقهى جروبي القائم اليوم في عمارة تطل على شارعي عبد الخالق ثروت وعدلي، هو الموضع التاريخي لمقهى جروبي في مرحلته المبكرة قبل انتقال المؤسسة إلى ميدان طلعت حرب وبناء عمارته الشهيرة عام 1924م ورغم أن المبنى الحالي للمقهى يرجّح أنه نتاج إعادة بناء لاحقة، فإن استمرار الاسم ووجود الجزء الحديقي المشهور به مقاهي الأجانب حينها يدعمان استمرارية الموقع بوصفه أحد أقدم مواضع جروبي في وسط القاهرة.
لم يغيّر جروبي بعمارته واجهة شارع سليمان باشا فحسب، بل أسهم في تشكيل سلوك المدينة الحديثة وذاكرتها الجمعية، فالنشاط الاجتماعي الثقافي المرتبط بالمكان هو ما أوجد له هويته، فشيكوريل في عالم الأزياء للطبقات الراقية وجروبي الحلواني ومقهى الطبقة المثقفة وروادها المشاهير كلاهما استوطن حي الإسماعيلية أواخر القرن 19 واستوطن معه نشاطه وتجذر في المكان ما جعل تأصيل النشاط جزء من بناء الهوية ثم جاءت العمارة معبرة عن ذلك، لم توجد العمارة ثم النشاط بل كانت العمارة تعبير عن هوية تأصلت على مر عدة عقود قبل أن تبرز معمارياً لتثبت جذورها وإن كانت كما يلاحظ بداياتها تجارية ثقافية قبل أن تكون سكنية، وللقصة بقية.
دكتور وائل زكي
استشاري التخطيط العمراني