أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

اليسار العربي المعاصر.. التحولات ما بعد الربيع العربي والمستقبل الغامض في ظل الهيمنة الأمريكية

إسراء عبد الحافظ

مفارقة التاريخ في لحظة الربيع العربي

عندما انطلقت شرارة الربيع العربي عام 2011، وجد اليسار العربي نفسه في مفترق طرق تاريخي عميق فالشعارات التي رفعها المتظاهرون العدالة الاجتماعية، الكرامة الإنسانية، التحرر من الاستبداد بدت وكأنها تستعيد الأجندة التاريخية لليسار لكن سرعان ما ظهرت مفارقة كاشفة اليسار لم يعد الحامل الوحيد و حتى الأساسي لهذه المطالب هذه المفارقة لم تكن مجرد لحظة عابرة بل كانت تعبيراً عن أزمة هوية وتمثيل تراكمت عبر عقود.

هذا المقال يحلل التحولات التي شهدها اليسار العربي في مرحلة ما بعد الربيع ويستكشف ملامح هويته الجديدة ويتساءل عن مستقبله في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الأخيرة بما في ذلك حرب غزة وتصاعد الهيمنة الأمريكية النيوليبرالية ومن هنا أتساءل هل شكلت لحظة ما بعد الربيع العربي بداية لتحول جذري في هوية اليسار العربي أم أنها كانت القطرة التي أفاضت كأس انحساره التاريخي؟

أخبار ذات صلة

2016_4_23_15_4_12_280
إعلام عبري: الجيش الإسرائيلي يستعد لشن هجوم على إيران في هذه الحالة
images - 2026-02-16T221359
وقف اللعب دقائق للإفطار.. لفتة من البريميرليج في رمضان
000-92CU9DF
"رافينها" يقود هجوم برشلونة أمام جيرونا في الليجا

نشأ اليسار العربي الحديث من رحم حركات التحرر الوطني في منتصف القرن العشرين حاملاً تناقضات أساسية حدت من فاعليته واتسم بتبعية فكرية عميقة للنماذج الخارجية خاصة السوفيتي والأوروبي، مما أعاق تطور رؤية نقدية أصيلة تتواءم مع خصوصية المجتمعات العربية وتركيبتها الطبقية والدينية المعقدة.

ظلت المقولات الماركسية الأوروبية تُطبق تطبيقاً حرفياً دون اكتساب مفاهيمية عربية تستوعب تناقضات المجتمع العربي مما خلق فجوة بين الخطاب النظري والواقع الاجتماعي.

مركزية الدولة وإهمال المجتمع المدني

ارتكزت رؤية اليسار التقليدي على الدولة كمحور للنضال والتغيير متجاهلاً قدرة حركات المجتمع المدني والاحتجاج الشعبي العفوي على توليد تغيير حقيقي هذا التركيب، جعله غير قادر على فهم التحولات الجذرية في بنية المجتمعات العربية، التي تجاوزت الثنائيات الكلاسيكية البرجوازية والبروليتاريا نحو تشكيلات اجتماعية أكثر تعقيدًا.

وتحولت الخلافات الفكرية بين التيارات ماويين، وتروتسكيين، وقوميين اشتراكيين إلى عداوات تنظيمية أضعفت القدرة على مواجهة التحديات المشتركة، بينما كانت القوى المحافظة والإسلامية تبني تحالفات واسعة رغم اختلافاتها ظل اليسار غارقاً في صراعات هوياتية داخلية.

تراوحت مواقف اليسار من المرجعيات الدينية بين العداء الصريح الذي عزز عزله عن الجماهير ومحاولات توفيقية غير مقنعة لم تستطع تجسير الهوة مع قطاعات شعبية واسعة تعتز بهويتها الدينية هذا المأزق حال دون تطوير خطاب تحرري يتعامل مع الدين كحقل صراع وليس ككتلة متجانسة.

كشفت لحظة الربيع العربي عن فجوة هائلة بين الخطاب اليساري التقليدي والحراك الشعبي حيث الحضور البارز للناشطين والأفكار اليسارية في الحراك الشعبي خاصة بين الشباب المتعلم مقابل غياب شبه تام للأحزاب اليسارية التقليدية عن مواقع القيادة فالشباب اليساريون المستقلون شاركوا في التنظيم والتوثيق وبلورة المطالب لكن خارج الأطر الحزبية التقليدية مما يشير إلى أزمة تمثيل عميقة.

ظهرت أشكال جديدة من التنظيم اليساري سواء، من تجمعات شبابية غير هرمية ومبادرات فنية واحتجاجية ومنصات إعلامية بديلة وحركات اجتماعية تركز على قضايا محددة عمالية، نسوية، بيئية وهذا يشير إلى تحول من اليسار الحزبي إلى اليسار الحركي ومن الأيديولوجيا الشمولية إلى النضالات الجزئية المتقاطعة.

وواجه اليسار العربي أزمة الهوية بمستويات متعددة سواء هوية فكرية بعد انهيار النماذج الاشتراكية التاريخية وهوية تنظيمية أمام صعود الحركات الشبابية غير المنضبطة وهوية جماهيرية في ظل منافسة القوى الإسلامية والشعبوية التي قدمت خطاباً أكثر جاذبية للشرائح المهمشة.

اليسار العربي وحرب غزة اختبار للموقف الأخلاقي والسياسي

باتت التحولات العالمية المتسارعة وخاصة بعد حرب غزة 2023 – 2024 اختبارًا جوهريًا وكاشفًا للهوية والمبادئ على المستويين الفكري والسياسي وقد شكلت هذه الأحداث محكاً حقيقياً للتيار اليساري العربي، إذ وضعته أمام تحديات مصيرية واختبارات متعددة، حيث واجه اليسار العربي اختبار التزامه العملي بمبادئ التحرر والعدالة والمناصرة أثناء العدوان على غزة وأظهرت بعض تياراته تماسكاً واضحاً في دعم القضية الفلسطينية من منظور تحرري شامل بينما عانت تيارات أخرى من انقسامات وجدل داخلي بين المنظور الأممي الدولي والأولويات المحلية وحول أولوية النضال ضد الاستبداد الداخلي مقارنة بالنضال ضد الاستعمار والهيمنة الخارجية ..

كشفت الحرب عن الوجه القبيح للهيمنة الأمريكية النيوليبرالية في التعامل مع الصراع حيث تم اختزاله في منظور أمني واستراتيجي بحت مُتجاهلاً الحقوق الفلسطينية الأساسية هذا الكشف دفع العديد في اليسار العربي إلى إعادة الاعتبار للنضال ضد الإمبريالية كركن أساسي في مشروعه الفكري والسياسي؛ أدى هذا الاختبار إلى بروز عدة تحولات مهمة داخل اليسار العربي وإعادة الربط بين النضالين الوطني والاجتماعي، إذ أعيد تأكيد الترابط العضوي بين النضال من أجل تحرير فلسطين والنضال من أجل العدالة الاجتماعية في الداخل العربي باعتبارهما وجهين لعملة التحرر الكلي من الهيمنة الخارجية والاستغلال الداخلي، والسعي لبناء تحالفات دولية جديدة عبر محاولات للتجاوز والانفتاح على حركات التضامن العالمية مع القضية الفلسطينية وبناء تحالفات تتخطى الإطار التقليدي.

خلاصة القول، إن حرب غزة مثلت لحظة حقيقية لاختبار الموقف الأخلاقي والسياسي لليسار العربي مما أجبره على مراجعة ذاته وأولوياته وعلاقته بالإطار النيوليبرالي المسيطر وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول هويته ومشروعه التحرري في الزمن المعاصر.

مواجهة الهيمنة الأمريكية النيوليبرالية

وكشفت الأحداث الأخيرة عن عمق التحالف بين النيوليبرالية الاقتصادية والعنف الاستعماري حيث ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية كداعم رئيسي للنظام الإقليمي القائم وداعم غير مشروط للاحتلال الصهيوني وهذا الواقع أتاح لليسار العربي فرصة تاريخية لإعادة بناء خطاب نقدي متكامل يربط بين الاستغلال الاقتصادي والقمع السياسي والعنف الاستعماري في إطار تحليل شامل.

أظهرت حركات التضامن مع فلسطين قدرة التنظيم الرقمي على تعبئة الرأي العام العالمي لكنها كشفت أيضاً عن محدودية تأثير هذه الحركات في غياب بنى تنظيمية قادرة على تحويل التضامن الافتراضي إلى قوة سياسية فاعلة على الأرض وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة اليسار العربي على استيعاب أدوات العصر الرقمي دون التفريط في البنى التنظيمية الضرورية للتغيير الحقيقي.

مستقبل اليسار العربي وإعادة التشكيل أم الانحسار التاريخي؟

هناك عدة سيناريوهات محتملة الأول، التحول إلى يسار حركاتي قد يتطور اليسار العربي نحو نموذج اليسار الحركي القائم على تحالفات مرنة بين حركات اجتماعية متخصصة نسوية، عمالية، بيئية، دفاع عن الحريات وهذا النموذج يتخلى عن الحلم بالحزب الطليعي الكلاسيكي لصالح شبكات متداخلة من النضالات الجزئية التي تتقاطع حول قضايا محددة ويتطلب هذا السيناريو تطوير آليات تنسيق جديدة وتخلياً عن المركزية التنظيمية.

والسيناريو الثاني، هو محاولة إعادة بناء يسار جذري عربي معاصر يجمع بين النقد الجذري للرأسمالية والاستعمار وبين قراءة واقعية لخصوصية المجتمعات العربية فهذا اليسار المعاصر سيتجاوز العقد التاريخية مع الدين عبر تطوير خطاب تحرري لا يتناقض مع الهوية الدينية للجماهير، بل يستطيع تفكيك الخطابات الدينية المحافظة ويقيم تحالفات مع تيارات دينية تقدمية.

أما السيناريو الثالث، فهو الانحسار والتهميش المستمر خيث يستمر الانحسار التاريخي لليسار في ظل تنامي القوى الشعبوية والاستبدادية وتحوله إلى ظاهرة نخبوية منعزلة عن هموم الشعوب، وهذا السيناريو يرتبط بفشل اليسار في تجديد خطابه وتنظيماته واستمرار انقساماته الداخلية وعدم قدرته على تقديم بدائل مقنعة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها المجتمعات العربية.

روشتة نهوض اليسار العربي

تطوير المفاهيمية العربية النابعة من الواقع المحلي مع الاستفادة النقدية من التراث النظري العالمي ورفض النمذجة الحرفية للتجارب الخارجية ويتم ذلك عن طريق القطيعة مع التبعية الفكرية وتجاوز المواقف الجمودية الفكرية نحو مقاربة تتعامل مع الدين كحقل صراع وليس ككتلة متجانسة والانخراط في حوار جاد مع التيارات الدينية التقدمية حول قضايا العدالة والتحرر.

وتشكيل تحالفات مع حركات اجتماعية وديمقراطية وإسلامية تقدمية حول قضايا محددة دون الذوبان أو فقدان الخصوصية مع التركيز على القضايا المشتركة، مثل العدالة الاجتماعية ومقاومة الاستبداد والهيمنة الخارجية واستيعاب دروس ثورات الربيع العربي وتطوير آليات تنظيمية مرنة تقبل بالتعددية وتتواصل مع الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها مع الحفاظ على القدرة على الفعل السياسي المنظم.

وجد اليسار العربي نفسه في معضلة استراتيجية بعد الربيع العربي، إذ اضطُر للاختيار بين دعم المسار الثوري الجذري الذي حمل إمكانية التغيير الجذري والمشاركة في عمليات الانتقال الديمقراطي المحفوفة بالمخاطر في مصر، إذ تجسد هذا المأزق في الموقف من جماعة الإخوان المسلمين، إذ انقسم اليسار بين داعم للتحالف مع الإسلاميين ضد نظام مبارك ورافض لهذه الجماعة باعتبارها قوة دينية تهدد مكتسبات التقدمية وفي تونس اضطرت القوى اليسارية للتحالف أحياناً مع قوى ليبرالية ضد التيارات الإسلامية مما أثار تساؤلات حول وضوح الهوية الأيديولوجية.

طغى الخطاب الهوياتي على الخطاب الطبقي في العديد من البلدان العربية التي شهدت صراعات ما بعد الربيع خاصة في سوريا والعراق وليبيا واليمن، فوجد اليسار نفسه عاجزاً عن تقديم قراءة طبقية مقنعة لأزمات تفككت على خطوط الهوية، مما كشف عن محدودية الأدوات التحليلية التقليدية في مواجهة تعقيدات الواقع العربي، إذ برزت قوى شعبوية وجماعات مسلحة وحركات احتجاجية لا أيديولوجية أو ذات أيديولوجية هجينة تقدم نفسها كبديل عن كل الأطر القديمة، بما فيها الأحزاب اليسارية التقليدية وهذه الحركات استطاعت تجاوز الخطاب الأيديولوجي الجامد، والتواصل مباشرة مع مطالب الشارع الملموسة مما شكل تحدياً وجودياً للتنظيمات اليسارية البيروقراطية.

تعرض اليساريون العرب للقمع من طرفين: من الأنظمة القائمة التي رأت فيهم تهديداً لاستقرارها – ومن القوى الإسلامية المتطرفة كداعش، التي اعتبرتهم جزءاً من الطاغوت العلماني وهذا الوضع أوقع العديد من النشطاء اليساريين في مأزق وجودي بين مطرقة السلطة وسندان التطرف.

رغم كل التحديات، فإن المشهد اليساري العربي يشهد تحولات نحو هوية جديدة تتسم بعدة خصائص منها دمج النضال الطبقي مع قضايا الهوية، إذ أصبح اليسار المعاصر أكثر انفتاحاً على دمج النضال الطبقي مع النضالات النسوية والبيئية ومن أجل حقوق الأقليات والمهاجرين، وهذه التقاطعية تتيح له بناء تحالفات أوسع واستعادة زمام المبادرة في قضايا تهم شرائح مجتمعية متعددة كما يشهد اليسار تحولاً من نموذج الحزب البيروقراطي المركزي إلى شبكات حركية مرنة قادرة على التكيف مع الظروف السياسية المتغيرة والتعبئة السريعة حول قضايا محددة.

كما بات اليسار المعاصر أكثر انخراطًا في النضالات اليومية للناس مثل النضال ضد الفساد والدفاع عن الخدمات العامة والعمالية ومقاومة الخصخصة الجائرة والتصدي لارتفاع الأسعار وهذا التحول يساعده في استعادة جذوره الشعبية، بالإضافة إلى محاولات جادة من قبل مثقفين يساريين لإعادة قراءة التراث العربي والإسلامي بشكل نقدي وغير عدائي، بعيدًا عن الصدام الثقافي العقيم وقريباً من هموم المجتمعات العربية وهوياتها المركبة ويعمل اليسار الجديد على بناء تحالفات إقليمية ودولية عابرة للحدود حول قضايا محددة مثل مقاومة التطبيع مع إسرائيل والنضال المناخي ودعم اللاجئين ومقاومة الهيمنة النيوليبرالية.

ففي تونس نجح تحالف الجبهة الشعبية الذي يضم أحزاباً يسارية وقومية في أن يكون فاعلاً سياسياً مهماً رغم محدودية تأثيره ورغم معاناته من الانقسامات الداخلية لكنه حافظ على حضور برلماني ونقابي وعمل كقوة ضغط لحماية مكاسب الثورة من التآكل، وتجربة تونس تظهر إمكانية اليسار في التأثير ضمن الأنظمة الديمقراطية الهشة وتحديات الحفاظ على الوحدة الداخلية وفي المغرب برزت حركات اجتماعية ذات بعد يساري غير حزبي عام 2016 – 2017 ذات بعد يساري غير حزبي، أبرزها حراك الريف المغربي والتي نجحت في تعبئة الاحتجاج حول قضايا اقتصادية واجتماعية ملموسة وفي المقابل تحاول أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والكونفدرالية الديمقراطية للعمل النقابي وتجديد خطابها لمواكبة هذه التحولات.

اليسار العربي يمر بمرحلة تحول وجودي فموت اليسار الذي يتحدث عنه البعض هو موت اليسار الأيديولوجي الأحادي الحزبي المنغلق التابع للنماذج المستوردة لكنه في المقابل يشهد ولادة يسار معاصر أكثر مرونة وتقاطعية متجذرة في النضالات المحلية، وهذا اليسار المعاصر يواجه مخاطر حقيقية منها التشرذم والغرق في الجزئيات على حساب الرؤية الشمولية والانكفاء على نخبوية ثقافية أو الذوبان في حركات احتجاجية عابرة، لكنه أيضًا يحمل إمكانيات كبيرة والقدرة على خلق لغة تحررية تجمع بين المطالبة بالعدالة الاجتماعية والتحرر من الاستبداد السياسي والتحرر الفردي والهوياتي.

ربما لم يعد اليسار العربي الحامل التاريخي للثورة كما تخيل نفسه ذات يوم، لكنه قد يكون قادراً على أن يكون ضمير النضال التحرري وناقد الرأسمالية المتوحشة وحامل لمشروع مجتمعي بديل في زمن الانهيارات الكبرى، والسؤال الأهم الآن يتخطى أزمة الهوية بل عن قدرته على الاستماع إلى الشارع أكثر من الاستماع إلى تراثه والانخراط في المعارك الحية للناس، بدلاً من معارك الأيديولوجيا المجردة وهنا تكمن إمكانية ولادته الجديدة المعاصرة .

يواجه اليسار العربي لحظة حاسمة قد تحدد مصيره لعقود قادمة وليست المسألة مجرد بقاء تنظيمات تاريخية بل إمكانية ظهور فكر تحرري عربي يجدد قدرته على فهم العالم وتغييره ويتطلب هذا جرأة في نقد الذات ومرونة في التنظيم وإبداعاً فكرياً يربط بين النضال ضد الاستغلال الاقتصادي والقمع السياسي والهيمنة الاستعمارية.

الربيع العربي لم يقتل اليسار بل كشف عن أزماته التاريخية والآن وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة والهيمنة الأمريكية، التي تظهر بوجهها القبيح في دعمها غير المحدود للاحتلال والأنظمة الاستبدادية قد تكون اللحظة مناسبة لولادة يسار عربي معاصر ليس كأحزاب طليعية تدّعي تمثيل التاريخ بل كفاعل بين فاعلين في نضال شعبي متعدد الأوجه من أجل حرية وكرامة وعدالة حقيقية

المستقبل الغامض لليسار العربي ليس قدراً محتوماً بل هو مجال صراع وتفكير وإبداع بقدر ما يحمل هذا الغموض من تحديات فهو يحمل أيضاً إمكانيات لتجديد جذري قد يعيد اليسار إلى قلب المعارك التحررية في العالم العربي على أن يتعلم من أخطاء الماضي ويستوعب دروس الحاضر، ويجدد أدواته لمواجهة تحديات المستقبل في ظل نظام عالمي تتشابك فيه الهيمنة الأمريكية مع الأزمات المحلية في حلف معقد يهدد آمال الشعوب العربية في الحرية والعدالة

مستقبل اليسار العربي مرهون بقدرته على تحقيق عدة تحولات جوهرية من الخطاب الشمولي إلى البرامج القابلة للتحقيق من المركزية الحزبية إلى الشبكات الحركية من التبعية للنماذج المستوردة إلى الإبداع المحلي ومن الانشغال بالصراعات الأيديولوجية إلى الانخراط في المعارك الاجتماعية الملموسة

وفي ظل الهيمنة الأمريكية النيوليبرالية المتصاعدة والأزمات الاقتصادية والبيئية الخانقة والحروب الإقليمية المدمرة، يملك اليسار العربي فرصة تاريخية ليعيد تعريف نفسه كقوة تغيير حقيقية بشرط أن يتعلم من أخطاء الماضي ويستوعب دروس المرحلة الراهنة ويبتكر أدوات نضالية تلائم تعقيدات الواقع العربي الحالي

المعركة من أجل هوية اليسار المعاصر لم تنته بعد، ولكن المؤكد أن اليسار العربي التقليدي كما عرفناه في السابق قد ولي وليترك المكان لولادات جديدة معاصرة قد تكون أكثر تواضعاً، ولكنها ربما تكون أيضاً أكثر واقعية واتصالاً بآمال الشعوب العربية وتطلعاتها نحو الحرية والعدالة والكرامة.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

مدبولي ورشوان
"مدبولي" يجتمع بـ "رشوان" قبل لقاء رؤساء الهيئات الإعلامية.. ما القصة؟
IMG_7198
الأهلي: قدمنا ردًا شاملًا إلى "كاف" حول شكوى الجيش الملكي
محمد هشام عبية
السيناريست محمد هشام عبية يتحدث عن الصحافة والسيناريو: مهنتان..وحرفة واحدة.. وهكذا أكتب عن شخصيات لا تعبر عن أفكاري
الدستورية العليا
حكم الدستورية العليا يهز قضايا المخدرات.. ماذا بعد سقوط قرارات هيئة الدواء؟

أقرأ أيضًا

محمد حماد
القامة والقزم: هيكل في مواجهة زمن الأبواق
IMG-20260215-WA0012
بين سيادة القانون وحماية الكرامة الإنسانية
علي إبراهيم
في يوم الدباديب.. نصف كبد يكفي!!
IMG-20260214-WA0000
خمس سنوات على رحيل مبارك.. حتّى لا ننسى