ذات يوم حضر إلى مجلس الخليفة هارون الرشيد رجلٌ تبدو عليه علامات الفقر. قال الرجل للخليفة: جئتك يا مولاي بهدية عظيمة، فتعجب الحاضرون من ذاك الأعرابي الفقير الذي لا يملك قوت يومه، ويدّعي امتلاكه هدية عظيمة تليق بالخليفة. وكان الرجل يحمل قطعة قماش، ففتحها فإذا بها خُفّ (حذاء) قديم وبالٍ.
ثم قال الأعرابي للخليفة: هذا خفّ رسول الله الكريم. فقال الخليفة، وقام بتقبيل الخف، وشكر الأعرابي، وأعطاه أموالًا كثيرة. وبعد أن خرج الأعرابي قالت له زوجته زبيدة: والله إنه لنصّاب. فرد الخليفة: بالطبع فأنا أعلم. فسألته بدهشة: إذا كنت تعلم، فلماذا منحته عطية ثمينة؟
فأجابها الخليفة: خشيت أن يمشي بالأسواق ويقول أهان الخليفة خُفّي رسول الله، ويصدقه الأغلبية وينكره قليلون. وفي رواية أخرى: والله خشيت أن يمشي في الأسواق ويقول أهان الخليفة خُفّي الرسول، والله إن مصدقيه أكثر من منكريه.
وهذا درس سياسي عريق وعميق يدل على أن الخليفة هارون الرشيد كان سياسيًا عريقًا وذكيًا وماكرًا، وأنه سبق خبراء السياسة بمئات السنين.
ففي عالم السياسة الحقيقة هي ما يقتنع عامة الناس أو الشارع بصدقها، والناس العادية هي التي تضع الخط الفاصل بين الحقيقة والأكاذيب.
ولم أناقش أداء رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي ولا نتائج سياسات حكومته وإجراءاتها. ليس من منطق أنها نتائج عظيمة أو إيجابية، ولكن من منطق أن دوافع التغيير تتجاوز معدلات الأداء أو مؤشرات الاقتصاد إلى هدف، أو بالأحرى مؤشر آخر.
في عالم السياسة، الرضا الشعبي وقناعة الناس عنصر حاسم ونهائي فيما يتصل بشخوص الوزراء ورئيس الحكومة ورؤساء المؤسسات الشعبية الهامة.
الحكومة مؤسسة تنفيذية تتعامل ليل نهار مع الشعب، وينطبق عليها المقولة الشهيرة: (الزبون دايمًا على حق).
واستمرار رئيس حكومة واحدة طوال سنوات عجاف غير مقبول للزبون أو الشعب. فحين تزيد تضحيات الشعب ويمر بظروف يعترف الجميع، حكومة وأهالي، بصعوبتها، فمن البديهي أن يتوقع الشعب ويتمنى رئيس حكومة جديدًا، ربما تتحسن الأحوال على يد حكومة جديدة.
وقد كنت ولا زلت أتمنى أن يقوم الرئيس السيسي باختيار شخصية جديدة لتشكيل الحكومة، ممكن شخصية اقتصادية أو شخصية سياسية نسائية، أو لا من أي خلفية أو قطاع، شرط امتلاك الكفاءة في الإدارة والفهم لدور رئيس الحكومة في مصر وطبيعة التحديات.
وأنا أثق أن في مصر بها مئات من المصريين والمصريات يصلحون للمنصب المهم، بنفس ثقتي أن كرسي رئيس الحكومة محتاج يتنجد، على رأي عمنا وحيد حامد في رائعته (طيور الظلام).