في قلب غزة، حيث ينهار كل شيء حول الأطفال، تقف أم محمد عليوة شامخة، امرأة تجاوزت السبعين، لكنها اليوم تحمل على كتفيها حياة 36 طفلاً، جميعهم أحفادها.
36 طفلًا يتيمًا وجدة واحدة تقاتل البرد والجوع في غزة
أصغرهم لم يكمل شهرين، و أكبرهم فتى في الـ 17، جميعهم أبناء أبنائها الخمسة الشهداء وبناتها الشهيدان، لقد فرض القدر على هؤلاء الصغار أن يكونوا بلا أب أو أم.
في هذا الصدد، تقول أم محمد لـ”القصة” بصوتٍ يتخلله البكاء: “ما حد يعوض الضنا، ولكن ما أعز من الولد إلا ولد الولد.. وها هو قدر الله لي، والحمد لله على كل حال”.
كل صباح، تبدأ معركة جديدة، أصوات الأطفال تختلط بصوتها وهي تحاول أن تخفي ألمها عنهم، لكن كل سؤال بسيط قد يحطم قلبها: “فين بابا يا ستو؟ ليش تأخر؟ متى راح ييجي؟” هذه الكلمات الصغيرة تحمل في طياتها ألما لا يحتمل، لكنها تعكس وجع كل يتيم في غزة.
في الشتاء القارس، تصبح حياتهم أصعب، تقول أم محمد: “أتمنى لو تتوفر لهم ولو القليل من احتياجاتهم.. مأوى، ملابس، ماء نظيف، غطاء يدفئهم، أحيانًا أتمنى لو تبتلعني الأرض لعجزي عن توفير ما يحتاجونه”.
لكن رغم كل هذا الألم، هناك قوة وعزيمة لا تفتر أم محمد، التي ربت جيلا سابقاً، اليوم تواجه جيلا آخر، جيل يتيم، لكنها تقول:”ربيت جيل، وها أنا أربي جيلا آخر… صعب، صعب جدًا، لكنني مضطرة للاستمرار.”
تروي شهادتها الصغيرة لحظة بلحظة عن الجوع، عن الخوف، عن فقدان الأمان وعن محاولة حماية الأطفال من واقعهم القاسي قائله: “أعتصر حزنا من جوعهم.. وأتوجع من وجعهم.. لكن الله أعطاني صبرا لأكمل الطريق معهم”.
رسالتها واضحة لكل من يسمعها: “أنظروا إلينا من باب الرحمة ساعدوا هؤلاء الأطفال بأي شيء، ولو بالقليل هم لم يطلبوا شيئًا، لكن القدر وضعهم هنا، ليعيشوا بلا آباء أو أمهات، في أرض فقدت الحياة.”
هذه القصة ليست مجرد قصة عن فقدان، إنه شهادة على الصمود الإنساني، عن جدة واحدة تقف وحدها لتحمل عبء جيل كامل، عن أطفال نجوا من الحرب لكنهم يعيشون في صمت الصدمة، عن وجع غزة الذي لا يرى، لكنه يحس في كل قلب يعرف معنى الأبوة والأمومة.