أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

القامة والقزم: هيكل في مواجهة زمن الأبواق

محمد حماد

حين يصبح الاقتراب من السلطة مجرد وظيفة، ويصبح التماهي مع التعليمات صدى بلا معنى، تظهر القيمة الحقيقية لأقزام السامسونج.

لم يكن سؤال العلاقة بين المثقف والسلطة في التجربة العربية سؤالًا أخلاقيًا بسيطًا من نوع «مع أو ضد»، بل كان سؤالًا تاريخيًا مركبًا يتصل بطبيعة الدولة نفسها، وبما إذا كانت تحمل مشروعًا قابلًا للتفكير والمشاركة، أم تكتفي بإدارة واقع مغلق لا يحتمل السؤال.

في هذا الإطار، لا يصبح معيار الحكم على المثقف قربه أو بعده عن السلطة، بل موقعه من المعنى، ودوره في إنتاجه أو تبريره.

أخبار ذات صلة

مدبولي ورشوان
"مدبولي" يجتمع بـ "رشوان" قبل لقاء رؤساء الهيئات الإعلامية.. ما القصة؟
IMG_7198
الأهلي: قدمنا ردًا شاملًا إلى "كاف" حول شكوى الجيش الملكي
محمد هشام عبية
السيناريست محمد هشام عبية يتحدث عن الصحافة والسيناريو: مهنتان..وحرفة واحدة.. وهكذا أكتب عن شخصيات لا تعبر عن أفكاري

في الأدبيات السياسية، يميّز أنطونيو غرامشي بين المثقف الذي يتوهّم الحياد، والمثقف المرتبط عضويًا بمشروع اجتماعي وتاريخي.

غير أن هذا التمييز، حين يُنقل إلى التجربة العربية بلا تفكيك، يتحول إلى أداة إدانة بأثر رجعي، لا إلى أداة فهم. إذ يُساوى بين كل اقتراب من السلطة وبين التبعية، وبين كل ابتعاد عنها وبين الاستقلال، دون نظر إلى طبيعة السلطة ذاتها، ولا إلى ما إذا كانت تحمل فكرة تستحق الشراكة أو لا.

هنا تحديدًا تبرز خصوصية لحظة جمال عبد الناصر.

يمكن القول إن تأثّر السلطة الناصرية بأطروحات المثقف في زمانها كان الأعلى في تاريخ الدولة المصرية الحديثة. لم يكن المثقف مجرد واجهة أو زينة رمزية، بل كان – في حدود وصراعات – جزءًا من المجال الفكري الذي تتشكل داخله الرؤية العامة.

كانت هناك دولة تسعى إلى لعب دور تاريخي، وتخوض صراعًا حقيقيًا على الاستقلال والعدالة والمكانة، بما جعل الفكرة عنصرًا فاعلًا في السياسة، لا مجرد خطاب مرافق لها.

في هذا السياق فقط يمكن فهم موقع محمد حسنين هيكل.

وجوده إلى جانب عبد الناصر لم يكن وجود صحفي قريب من الحاكم فحسب، بل وجود «مطّلع» على ما هو أعمق من الخطاب العلني: على مطبخ صناعة القرار، وعلى تناقضاته، وعلى أسراره الكبرى. ومن هذا الموقع، جاء تأثيره الأساسي. فالمطّلع لا يملك مجرد معرفة، بل يملك قدرة على فك طلاسم السر، وتحويل الغموض إلى سردية، وهو ما يمنحه سلطة رمزية تشبه سلطة الكهنة في المجتمعات القديمة: جاذبية تستمد قوتها من القرب من المجهول.

كان هيكل، من موقع المطّلع، قادرًا على أن يذيع بعض ما يعرف، وأن يحجب أكثر مما يذيع، وأن يختار لحظة الكشف ولحظة الصمت.

ولم يكن هذا التأثير نابعًا من سلطة رسمية، بل من كونه جزءًا من العقل الذي يحيط بالقرار ويمنحه معنى تاريخيًا.

بهذا المعنى، لم يكن تأييده لعبد الناصر تأييدًا لشخص أحبه واقترب منه مبكًرا، بل انحيازًا واعيًا لمشروع دولة يرى نفسه معنيًا بالمشاركة فيه والدفاع عنه.

التحول الجوهري جاء مع ما بعد عبد الناصر.

في عهد أنور السادات، ثم بصورة أوضح في عهد حسني مبارك، تغيّرت طبيعة السلطة نفسها. لم تعد دولة مشروع، بل دولة تسوية.

ولم تعد السياسة مجالًا للصراع على المعنى، بل إدارة طويلة للثبات والاستقرار.

هنا، نجحت السلطة في إقامة علاقة يمكن وصفها بـ«شهر العسل الطويل» مع المثقفين: احتواء بلا صدام، لكنه في الوقت نفسه عزل شبه كامل عن أي قدرة حقيقية على التأثير في البنى الرئيسية لصناعة القرار.

سُمح للمثقف بالكلام، والكتابة، وأحيانًا بالانتقاد المحسوب، لكن دون أن يقترب من جوهر السلطة أو يمس منطقها.

ومع الوقت، تحوّل كثيرون – لا بفعل القمع وحده، بل بفعل التكيّف والإغراء – إلى منظّرين لقبول الواقع كما هو، بل والدفاع عنه، بحجة أن البديل أخطر، وأن أي تغيير قد يفتح أبواب الفوضى.

لم تكتفِ السلطة باحتواء المثقف، بل تجاوزت ذلك إلى قلب دوره: من قوة نقدية تسائل الواقع، إلى قوة خطابية تبرّره. وعندما يصبح المثقف داعية للثبات، تكون السلطة قد حوّلته – في معظم الحالات – إلى بوق دعاية، حتى وإن احتفظ بمظهر الاستقلال.

داخل هذا التحول، مرّ هيكل نفسه بمراحل كاشفة.

في بدايات عهد السادات، انتقل من موقع «المطّلع» إلى موقع «المشارك». بدا أحيانًا وكأنه أحد من يوجّهون خطوات الرئيس الجديد، أو أحد أعمدة مطبخ القرار في سنوات الحكم الأولى. ومن هذا الموقع، كان تأثيره أوسع وأوضح، لأنه لم يعد يفسّر ما جرى فقط، بل يساهم – بدرجات متفاوتة – في صياغة ما سيجري.

لكن مع التحول الحاد في سياسات السادات، انتقل هيكل إلى موقع آخر تمامًا: موقع المختلف علنًا، ثم المعارض لمجمل المسار.

في النصف الثاني من حكم السادات، صار تأثير هيكل يأتي من الجمع بين الاطلاع السابق والتأمل النقدي اللاحق.

كان لا يزال قادرًا على كشف كثير من الأسرار، لكن توهجه الحقيقي صار نابعًا من تفكيكه لمنطق السلطة الجديدة، لا من قربه منها.

ومع سجنه في نهاية عهد السادات، اكتسب موقعه بعدًا نضاليًا منح معارضته مشروعية اجتماعية وسياسية واسعة.

بهذا المسار، يمكن القول إن هيكل انتقل من مثقف ملتحق بالمشروع في زمن عبد الناصر، إلى محاولة فرض المثقف على صاحب السلطة في زمن السادات، ثم بع خروجه من أروقة السلطة تمامًا حاز هيكل ما يمكن تسميته بـ«سلطة المثقف». وهي سلطة لا تُستمد من المنصب، بل من المعرفة، ومن الذاكرة، ومن القدرة على أن يقول: كنت هناك، وأعرف كيف ولماذا تغيّر كل شيء.

المفارقة اللافتة أن سلطة عبد الناصر نجحت في أن تجعل هيكل معبّرًا عن أطروحتها ومتفاعلًا معها، بينما فشلت سلطة السادات في ذلك. لم تستطع أن تحتويه، ولا أن تحوّله إلى بوق، فكان الانفصال حتميًا.

هيكل، في كل الأحوال، لم يكن مثقف السلطة بالمعنى الوظيفي للكلمة، لكنه حين انفصل عنها، وحين فقدت السلطة قدرتها على إنتاج المعنى، حاز الوصف الأدق: سلطة المثقف.

من هنا، يصبح أيُّ جهدٍ لمقارنة محمد حسنين هيكل بغيره من إعلاميي هذا الزمن جهدًا فاسد المنهج قبل أن يكون فاسد النية.

فالمقارنة تفترض حدًّا أدنى من التماثل في السياق والدور والقيمة، وهو ما لا يتوافر هنا أصلًا.

هيكل لم يكن حالة مهنية قابلة للاستنساخ، ولا نموذجًا تقنيًا يمكن محاكاته بتقليد الأسلوب أو استعارة النبرة.

كان ظاهرة تاريخية تشكّلت عند تقاطع نادر بين مشروع دولة، ولحظة إقليمية كبرى، ومثقف يمتلك أدوات المعرفة، وجرأة الاقتراب، وقدرة التحول حين يسقط المعنى.

أما أولئك الذين يحاولون اليوم الإمساك بأطراف عباءته، فهم لا يفعلون أكثر من كشف فقرهم الرمزي.

لا يملكون مشروعًا ليختلفوا حوله، ولا معرفة تتيح لهم الاقتراب من مركز الفكرة، ولا شجاعة تسمح لهم بالمغادرة حين يصبح القرب عارًا.

يختبئون خلف اسم هيكل ليبرروا قربهم من سلطة بلا معنى، ويتذرعون بتجربته ليمنحوا تماهيهم غطاءً أخلاقيًا زائفًا.

الفارق أن هيكل اقترب لأن هناك فكرة، وابتعد حين غابت، بينما هم يقتربون لأن لا فكرة هناك أصلًا.

هيكل لم يكن كبيرًا لأنه كان قريبًا من عبد الناصر، ولا لأنه اختلف مع السادات، ولا لأنه انتقد مبارك.

كان كبيرًا لأنه ظل، في كل تحول، قادرًا على إعادة تعريف موقعه دون أن يفقد بوصلته. انتقل من شريك في حلم، إلى ناقد لمسار، إلى سلطة معرفة قائمة بذاتها.

وهذه المسافة، التي لا يقطعها إلا القليلون، هي ما تعجز الأقزام عن فهمه، فيحوّلون التجربة إلى ذريعة، لا إلى معيار.

والسؤال الذي يُغلق به هذا المقال ليس سؤالًا عن الماضي، بل عن المستقبل:

هل يمكن أن تُنتج هذه المنطقة مرة أخرى مثقفًا شريكًا في مشروع، لا بوقًا لسلطة؟ هل يمكن أن تعود السياسة مجالًا للصراع على المعنى، لا إدارة للخوف؟

وهل نملك الشجاعة لقول إن غياب هيكل لم يكن سببه غياب الفرد، بل غياب الشروط التي جعلت وجوده ممكنًا؟

الخطر الأكبر اليوم ليس غياب هيكل، بل في الترويج لهؤلاء الذين يكتفون بالتماهي مع التعليمات والصفير في الأبواق. حين نخلط بين القامة والظل، بين سلطة المعرفة وصدى المنصات، يصبح السؤال المركزي عن مستقبلنا الفكري: هل نريد مثقفًا قادرًا على مساءلة السلطة وصناعة المعنى، أم سنكتفي بأبواق تصفق بلا تفكير؟

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

الدستورية العليا
حكم الدستورية العليا يهز قضايا المخدرات.. ماذا بعد سقوط قرارات هيئة الدواء؟
7521046738006202602160741314131
إخلاء سبيل 35 مشجعا من جماهير الأهلي بعد أحداث مباراة الجيش الملكي
محمد حماد
القامة والقزم: هيكل في مواجهة زمن الأبواق
٢٠٢٦٠٢١٥_١٨٥٧٤٩
من يواجه الأهلي في ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا؟

أقرأ أيضًا

IMG-20260215-WA0012
بين سيادة القانون وحماية الكرامة الإنسانية
علي إبراهيم
في يوم الدباديب.. نصف كبد يكفي!!
IMG-20260214-WA0000
خمس سنوات على رحيل مبارك.. حتّى لا ننسى
IMG-20260202-WA0022
وفي الليلة الظلماء يُفتقد العماد