(١) البداية
دخلتُ كما دخل غيري إلى يناير من بوابة القلق.
كان الضباب يسيطر على مشهد البلد ومستقبلها.
رجل يحكم منذ 30 عامًا، تقدم به العمر حتى بات لا يحكم.
في المقابل لا حديث عن انتقال السلطة ولا عن مواجهة الفساد المنتشر ولا عن قادم الأيام.
لا أسماء إلا ابن الرئيس.
في صباح 25 يناير 2011 كنا قلة محاصرين أمام دار القضاء العالي.
ننتظر “شيئًا ما” لا نعرف إن كان سيأتي!
يومها شاء القدر أن أكون مع ثلاثة من الأصدقاء: خالد البلشي، نقيب الصحفيين الحالي، وصديقي الحقوقي محمود فؤاد رئيس مجلس إدارة “القصة”، وأحمد سمير الصحفي والكاتب المتميز.
كانت الصدمة الأولى أن الأعداد قليلة ومحاصرة أمام مدخل محكمة النقض في شارع 26 يوليو.
بدا الأمر منذ اللحظة الأولى كأن الخوف ما زال حاضرًا في الشوارع أكثر من الهتاف.
شيئًا فشيئًا تبدّد القلق.
بدأت الحشود تتوافد، كأن البلد كانت تستجمع شجاعتها قبل أن تظهر البشائر.
تحركنا نحن الأربعة باتجاه التحرير، وفي ميدان عبد المنعم رياض امتزجنا مع المظاهرات الآتية من مسجد مصطفى محمود في المهندسين.
يومها لم نتوقف لحظة واحدة، كأننا خرجنا من سجن الاستبداد إلى براح الحرية.
طفنا ببولاق أبو العلا وشارع الجلاء وشارع رمسيس، وعابدين والعتبة قبل أن نعود إلى التحرير مرة أخرى.
وقتها كان الدرس الأول: الوطن ليس جغرافيا فقط، بل بشر قرروا مرة واحدة على الأقل، ألا يخافوا.
“إذا الشعب يومًا أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر”.
(2) التنحي
لم يكن ذلك اليوم انتصارًا سياسيًا عابرًا، بل كان استعادة للكرامة وللحق في الحياة.
هي اللحظة التي أدركت فيها أن العجز ليس قدرًا نهائيًا.
كانت الفرحة التي تتملكني أكبر من أي احتمال.
تعالت الأحلام حتى وصلت إلى عنان السماء.
الملايين في الميادين تهتف في لحظة فارقة: ارفع راسك فوق.. أنت مصري.
(3) الهزيمة
جاء زمن الهزيمة.
هزيمة الثورة وما تمثله.
انكسار ظهر في هيئة عودة بطيئة للخوف.
تحول الأمل إلى تهمة.
الثورات لا تُهزم دفعة واحدة، بل تُستنزف من داخلها.
وبأيدي أبنائها أحيانًا.
هذا ما حدث.
لا أكثر!
(4) الغيوم
صرنا نرى الثورة في صور قديمة.
احتفال سنوي تنتشر صوره على شبكات التواصل الاجتماعي.
أسماء غابت ووجوه لم تعد تظهر.
حتى الحكايات بتنا نرويها بصوت منخفض كأنها اعتراف بجريمة.
نراجع أنفسنا أكثر مما نراجع السلطة.
نسأل ببراءة هل أخطأنا؟ أم أننا كنا أنقى من أن ننتصر؟
في كل الأيام التي قضينها سجينًا عام 2016 كانت كل الأسئلة حاضرة.
وكانت الإجابة غير مترددة: التمسك بيناير وأحلامها مع كل تلك الغيوم هو المعركة الوحيدة الممكنة.
والنبيلة.
(5) حتمية الانتصار
الآن أحبّ يناير بطريقة أكثر نضجًا.
لم تعد مجرد هتاف، بل صارت ميزانًا للضمير.
لا أتعامل معها كذكرى.
بل كسؤال أخلاقي: أين أقف من العدل؟
من الحرية؟
من الإنسان؟
وبرغم كل شيء حدث: لا زلت أؤمن أن شعارات يناير الكبرى ستنتصر.
ربما كان الطريق أطول مما توقعنا.
وأصعب مما حلمنا.
لكن المؤكد أن الوصول حتمي.
فما يتأسس في الوعي لا يموت بالتضييق ولا بالحصار، ويناير لم تكن حدثًا عابرًا في التاريخ.
بل هزة عنيفة غيرت الوعي.
وفتحت المسار للمستقبل.
هكذا هي الثورة: مؤلمة وجميلة.
لكنها غير قابلة للنسيان.
ولا للحذف من صفحات التاريخ.