في مشهد إقليمي تتداخل فيه النزاعات مع التدخلات الخارجية، وتتصاعد فيه الأزمات البنيوية في عدد من الدول العربية، يبرز سؤال ملح يثير الجدل: هل تتجه المنطقة نحو موجة تفكك جديدة تعيد رسم خرائط الدول كما حدث في السودان وفلسطين المقسمين أصلا؟ أم أن ما نشهده مجرد حالات حرب؟
هل يُعاد رسم خريطة العالم العربي؟
هذا السؤال الذي ظل يطرح في الدوائر السياسية منذ سنوات، اكتسب زخماً جديدا مع تعمق الصراع السوداني واتساع الانقسام الفلسطيني، وصولاً إلى النقاشات الدولية المتزايدة حول “الشرق الأوسط الجديد” ومشاريع إعادة تشكيل المنطقة على أسس عرقية أو مذهبية أو سياسية.
في هذا السياق، استطلع “القصة” آراء خبراء عرب، لتقديم قراءة معمقة في هذا التحول التاريخي، بعيدًا عن الخطاب العاطفي وبأقرب ما يكون إلى التحليل الاستراتيجي الواقعي.
ليست موجة عامة.. لكن تحذير صريح
يبدأ علي فوزي تحليله بالتأكيد على نقطة مركزية قائلاً: “الانقسامات التي تشهدها بعض دول المنطقة، مثل السودان وفلسطين، تعكس تحولات سياسية عميقة لكنها ليست بالضرورة مؤشراً حتمياً على موجة تفكك واسعة في العالم العربي”.
كما يوضح فوزي أن كل حالة لها سياقها الخاص؛ انفصال جنوب السودان جاء بعد عقود من الحرب والتباينات البنيوية، الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة نتاج صراع سياسي داخلي تعقّد بفعل الاحتلال.
ويضيف: “هذه النماذج تكشف تحديات حقيقية، لكنها لا تشكل وصفة قابلة للتكرار الآلي في دول أخرى، فلكل دولة قدراتها وآلياتها في إدارة التنوع وحماية وحدتها”.
هذه الرؤية تطرح سؤالاً مهمًا: هل نحن أمام ظاهرة؟ أم مجرد حالات خاصة؟ الإجابة وفق فوزي: ليست ظاهرة.. لكنها جرس إنذار.
تداعيات مباشرة على الأمن القومي المصري
يرى فوزي أن مصر تقع في قلب هذه التحولات، وأن تأثير الانقسامات على الأمن القومي المصري يتم عبر محورين:
1. المخاطر المباشرة وتشمل: تدفقات اللاجئين، انتشار السلاح، نشاط الميليشيات العابرة للحدود، تعطل حركة التجارة والاستثمار.
ويضيف: “مصر بحكم الجغرافيا تعد الأكثر تأثراً بما يحدث في غزة والسودان وليبيا، ويتطلب ذلك يقظة أمنية وسياسية مستمرة”.
2. التأثيرات الاستراتيجية، ويحذر من أن ضعف الدول المجاورة يخلق فراغات تستغلها قوى إقليمية ودولية لإعادة تشكيل موازين القوى، مما يؤثر على أمن مصر ومصالحها الاستراتيجية.
ويقول: “استمرار الصراعات يستنزف اقتصاد المنطقة ويعيق أي مسار نحو التكامل الإقليمي”.
بين الدعم الدولي.. والخرائط التي تُعاد رسمها
وحول الجدل بشأن “الاستعمار الجديد”، يوضح فوزي بأن: “التدخلات الخارجية في المنطقة تتنوع بين دعم مشروع للاستقرار والتنمية، وتدخلات أخرى تحمل أجندات خاصة، لكن لا يمكن إغفال أن العوامل الداخلية — ضعف المؤسسات، الصراعات الأهلية، غياب التوافق الوطني — هي المحرك الأكبر للانقسامات”.
ويضيف أن خوف الشعوب من الهيمنة الخارجية مفهوم، لكنه يشدد: “مواجهة تلك التدخلات تبدأ بإصلاح الداخل وبناء مؤسسات قوية لا تترك فراغا تستغله القوى الخارجية”.
الهوية العربية بين التآكل.. والصمود
يتحدث فوزي عن أزمة الهوية العربية في ظل الانقسامات: “الانقسامات السياسية تفرض تحديات على النسيج الوطني، أبرزها صعود الهويات الفرعية وتراجع الثقة بالمؤسسات”.
لكن في المقابل: “الهوية العربية لم تختف رغم كل الأزمات، لكنها بحاجة إلى خطاب جديد يعترف بالتنوع ويستجيب لتطلعات الشعوب”.
السودان وفلسطين.. إشارات على حدود الضعف
يقدم فوزي مقارنة مهمة في السودان: صراع بين مؤسستين مسلحتين، تقاطعات قبلية وإقليمية، خطر التجزئة قائم إذا استمر غياب الدولة، وفي فلسطين: انقسام رسخه الاحتلال، تفتيت سياسي بعد 2023، غياب وحدة القرار.
ويؤكد: “هذه الحالات مؤشرات لحدود الضعف في الدولة العربية، وليست قاعدة عامة يمكن إسقاطها على الجميع”.
ثم يحدد 4 أولويات لحماية الأمن الإقليمي: تعزيز أمن الحدود وإدارة اللاجئين، تفعيل الدبلوماسية الإقليمية، دعم بناء المؤسسات، تعزيز المصالحة الوطنية.
ويختتم بأن:«مستقبل المنطقة لا تصنعه الأزمات وحدها، بل ترسمه الخيارات الجريئة للشعوب وقياداتها».
قراءة مختلفة وأكثر حدة مع هاني الجمل
على جانب آخر، يتخذ الدكتور هاني الجمل موقفا أكثر صراحة وحدة، إذ يرى أن ما يحدث ليس مجرد “تحولات خاصة”، بل جزء من مشروع أكبر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس عرقية ومذهبية وسياسية.
يقول الجمل: “التقسيم بين الضفة الغربية وغزة فضلاً عن شمال وجنوب السودان هو نوع من أنواع التقسيم الذي تقوده الدول الكبرى من أجل تفكيك البنية الخاصة بالمجتمعات العربية… محاولة تنفيذ مخطط كونداليزا رايز بشرق أوسط جديد يقوم على هذه الإثنية”.
ويضيف أن الهدف من تفكيك الدول الكبرى إلى دويلات صغيرة هو: تسهيل التحكم بها، إعادة صياغتها سياسياً، ضمان أمن إسرائيل.
ويؤكد: “إسرائيل هي الدولة الأهم التي تم زرعها في المنطقة لتكون لها اليد الطولى على الدول العربية”.
إسرائيل.. والدور الوظيفي في مشروع التقسيم
يكرر الجمل فكرة أساسية: “دولة إسرائيل هي الأهم وهي الدولة الوظيفية التي تم زرعها في هذه المنطقة من أجل التحكم في الدول العربية.. وهذه الأمور عبارة عن مفخخات للأمن القومي المصري”.
ويشيد بطريقة تعامل مصر مع هذه المحاولات قائلاً: “الدبلوماسية المصرية تتعامل باحترافية عالية لمحاصرة هذه الأزمات”.
الهوية العربية.. في أزمة مفتوحة
يتحدث الجمل بوضوح: “فكرة الهوية العربية تواجه أزمة كبيرة… وظهور الأقليات و الاثنيات بشكل بارز يهدد وحدة الدول”.
ويشير إلى أمثلة: الدروز والكرد والعرب في سوريا، إثنيات السودان المتعددة، الانقسامات الفلسطينية «حماس – فتح – الجهاد – وغيرها»
ويضيف: “طمس الهوية العربية مخطط تستخدمه الدول الكبرى لعدم وجود ترابط فكري وأيديولوجي وديني و تقاليدي، وهذا يمهد لسيطرة المشاريع التركي والإيراني والصيني والروسي”.
عالم متعدد الأطراف.. وليس متعدد الأقطاب
يشير الجمل إلى تصريح مهم للرئيس السيسي عام 2021: إلى أن “هناك عالم متعدد الأطراف وليس عالم متعدد الأقطاب”.
ويشرح: الدول الإقليمية الكبرى «مصر، السعودية، تركيا، إيران» يمكن أن تصبح أطرافا فاعلة بالمستقبل السياسي للمنطقة، لا مجرد تابعا للأقطاب الكبرى «أمريكا، الصين، روسيا».
ويضيف: “بعض الدول العربية لديها مصالح مع القوى الكبرى للحفاظ على كينونتها أو للاستفادة من السلاح والطاقة، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب ضربات كبرى مثل التي تتعرض لها إيران”.
الانقسامات خطر مباشر على الأمن المصري
يشرح الجمل أن مصر هي الأكثر تأثرًا بالتحولات الحالية، لأن حدودها مع ليبيا ملتهبة، البحر الأحمر يشهد عسكرة متصاعدة، إثيوبيا تمارس «مفخخات» مائية عبر سد النهضة، شرق المتوسط يشهد تنافسًا مع قبرص واليونان، الجنوب السوداني غير مستقر
ويضيف: “هناك رؤية سياسية رائعة من القيادة المصرية، ودعم كبير في تسليح الجيش، يجعل مصر رقماً صعبا على كل الموائد السياسية”.
مصر.. تُعيد تمركزها من جديد
يختم الجمل تحليله بالقول: “نجحت مصر في إعادة تمركزها مرة أخرى على المنصات الدولية، وما حدث في مؤتمر السلام بشرم الشيخ أكبر دليل على قدرة مصر في إجبار أمريكا على تغيير سياساتها، مصر ليست لقمة سائغة أمام التحولات الكبرى”.
شرق أوسط لم يعد كما كان
من المؤكد أن المنطقة العربية تعيش تحولات كبرى، الانقسامات لم تعد حالات معزولة، الأمن القومي المصري في قلب المشهد، القوى الإقليمية والدولية تلعب أدوارًا متشابكة، الهوية العربية تواجه اختبارًا وجوديًا.
لكن يبقى سؤال واحد مطروحا: هل تتجه المنطقة إلى “شرق أوسط جديد” يقوم على الخرائط القديمة… أم خرائط ترسم الآن في صمت؟