تتشكل ظاهرة المراهقة السياسية كإحدى الإشكاليات الجوهرية في بنية الوعي الثوري المعاصر حيث تتحول المـ ـقاومة من فعل تحرري إلى طقس عبثي يكرر ذاته في حلقة مفرغة هذه الظاهرة ليست مجرد سذاجة تكتيكية بل هي تعبير عن أزمة وجودية في العلاقة بين الذات الثورية وموضوعها بين المناضل ومشروعه التغييري وهي التي تشكل بنية تحتية لاستمرارية الأنظمة الاستبدادية عبر آلية غريبة لإعادة إنتاج النظام من خلال أدوات معارضته.
يخضع المناضل لعملية تحول نفسي اجتماعي حين يرى المناضل نفسه جزءاً من سردية كبرى تفوق ذاته فيقع في مرحلة اختبار عند أول مواجهة مع إغراءات السلطة المادية والرمزية حيث يتم إعادة صياغة القناعات لتتناسب مع المكاسب ومن الجانب الآخر تعتمد الأنظمة الاستبدادية على منظومة معقدة لاستيعاب المعارضة منح هامش حركة كاف للشعور بالتغيير دون جوهره وتقدم بعض المنح كالمناصب الشرفية كبديل عن السلطة الفعلية لتحويل النضال إلى معارك إجرائية داخل أروقة المؤسسات.
لذلك عندما ننظر للفخ الذي لا يتعلم منه في سياق الصراع ضد الأنظمة الاستبدادية نجد شريحة كبيرة من السياسيين والناشطين سلوكاً أشبه بـ المراهقة السياسية حيث يكررون أخطاء الماضي دون وعي ويسقطون في الفخاخ نفسها مراراً وتكراراً هذه الظاهرة لا تعكس فقط فشلاً تكتيكياً بل تعكس أيضاً أزمة نضج فكري وأخلاقي لدى بعض من يُفترض أنهم قادة التغيير سواء كان ذلك بسبب السعي وراء المكاسب الشخصية أو التعنت الأيديولوجي أو الجهل التاريخي فإن النتيجة واحدة وهي استمرار حلقة القمع وترسيخ الاستبداد.
سحر الكرسي والمنفعة الشخصية أحد أكثر الأخطاء فداحة التي يرتكبها المراهقون سياسياً هو سقوطهم في فخ المكاسب المادية والرمزية التي تقدمها الأنظمة كطعم لاستيعاب المعارضة أو تحييدها فبعد سنوات من النضال والخطاب الثوري نجد بعضهم ينقلبون على مبادئهم بمجرد حصولهم على مقعد نيابي أو منصب حكومي فيتحولون من مناهضين للاستبداد إلى جزء من آليته وهذا النمط ليس جديداً فقد شهدت العديد من الثورات والحركات الاحتجاجية حول العالم حالات انتهازية مماثلة حيث تحول بعض الثوار إلى طبقة سياسية جديدة تكرر ممارسات النظام القديم تحت شعارات براقة لكن العجيب هنا لماذا لا يتعلمون؟ والجواب يكمن في غياب الرؤية الاستراتيجية والافتقار إلى مشروع سياسي حقيقي يتجاوز الشعارات وضعف البنية الأخلاقية التي تمنع الخضوع للإغراءات.
التعنت الأيديولوجي ورفض المصالحة أخطر أشكال المراهقة السياسية لأنه يجعل بعض الناشطين يرفضون أي شكل من أشكال المصالحة أو التوافق مع خصومهم السياسيين حتى لو كان ذلك الطريق الوحيد لإنهاء الاستبداد ومن هنا يصبح الكفاح ضد النظام مجرد تعبير عن كراهية شخصية أو انتماء قبلي أو حزبي ضيق وليس دفاعاً عن مصلحة الوطن وكلما زادت شدة التطرف الأيديولوجي زادت احتمالية تحول الثورة إلى نظام استبدادي جديد فهؤلاء يرفضون أي حوار مع الخصم حتى لو كان هذا الخصم يشترك معهم في هدف إسقاط النظام الاستبدادي لأنهم يختزلون السياسة في معركة وجودية إما نحن أو هم هذا النهج التصادمي يذكرنا بأخطاء الحركات الثورية عبر التاريخ التي رفضت التسويات السياسية مما أدى إلى استنزافها أو إفشالها لصالح الأنظمة القائمة.
السمة الأكثر إيلاماً لدى المراهقين سياسياً هي جهلهم التاريخي وعدم تعلمهم من دروس التاريخ فكثيرون منهم يكررون التكتيكات الفاشلة ذاتها مثل الاعتماد على الخطاب العاطفي بدلا من التنظيم المدروس أو الثقة الزائدة في دعم خارجي غير مضمون أو الانقسام عند أول خلاف داخلي.
التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الاستبدادية لا تسقط بالشعارات وحدها بل بالتخطيط الاستراتيجي والتحالفات الذكية والصبر الثوري لكن بعض الناشطين اليوم يتصرفون كما لو أنهم أول من اكتشف القمع فيتجاهلون تجارب من سبقوهم مما يجعلهم عرضة لنفس المكائد والأفخاخ.
المأساة الكبرى الحقيقية تكمن في غياب نخبة سياسية ناضجة وقادرة على قيادة عملية الخروج من الاستبداد فالكثير ممن يطلق عليهم معارضون إما أنهم انتهازيون يبحثون عن مناصب ولا يملكون رؤية للتغيير او أيديولوجيون متعصبون يرفضون أي حلول وسطية أو جهلة سياسياً يفتقرون إلى الفهم الاستراتيجي للصراع ..
هذا الفراغ يفسح المجال لاستمرار النظام بل وينتج استبداداً جديدًا حتى لو سقط القديم لأن البديل لم يبن على أسس سليمة وبتبني النضج السياسي يمكن كسر الحلقة المفرغة للاستبداد وإلا سنظل ندور في نفس الدائرة نغير الطغاة لكننا لا نغير الطغيان.
وعندما ننظر إلى عقلانية التغيير نجد أنه لم يعد يكفي أن يكون المناضل شجاعاً أو مخلصاً بل أصبح مطالباً بأن يكون عالماً اجتماعياً واستراتيجياً وفيلسوفاً في وقت واحد فالمشكلة ليست في مواجهة الاستبداد بل في عدم تكراره بأشكال جديدة فالثورة الحقيقية هي تلك التي تغير ثوار الأمس واليوم لا ينبغي أن نعرف فقط كيف نسقط الطغاة بل كيف نمنع ظهورهم من بيننا من جديد وهذا يتطلب ثورة داخل الثورة بالثورة على أساليبنا الثورية نفسها.