تعرّضت الإعلامية آية عبدالرحمن، لهجمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب تقديمها برنامج “دولة التلاوة”.
دولة التلاوة
بداية الواقعة كانت مع وجود عشرات الآلاف من التعليقات التي أشارت إلى التشكيك في حق المرأة في تقديم المحتوى الديني، لا استنادًا إلى تقييم موضوعي للأداء أو الإعداد، بل اعتمادًا على تصورات مسبقة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وثقافة المجتمع وعادته، ما يشير إلى تحول هذه المنصات إلى ما يشبه ساحة للعقاب الجماعي ضد النساء، عبر موجات ضغط تستهدف تقليص حضورهن المهني، وإخضاع المجال العام لرؤية أحادية تُقصي مشاركة المرأة.
عنصرية صريحة
ناقشنا الخبراء الذين وصفوا الهجمة بالعنصرية الصريحة ضد المرأة، خاصة أننا في القرن الـ21 الذي يلزم بوجود مساواة بين الرجل والمرأة، وذكروا بأن نساء عديدات اقتحمن ميادين العمل في مناصب رفيعة.
بدوره تابع المرصد المصري للصحافة والإعلام “الهجمة التي تجاوزت حدود النقد المهني، إلى التمييز القائم على النوع الاجتماعي، بما يُشكّل اعتداءً مباشرًا على الحق في المشاركة المتكافئة في الشأن العام وعلى الوجود الرمزي للنساء داخل المساحات الدينية والإعلامية”.
بداية الأزمة
المرصد قال إنه لاحظ تكرارًا لافتًا في العديد من التعليقات، بما يعزّز احتمال وجود نمط موجّه أو شبه منظّم، لا مجرد اختلاف طبيعي في الآراء، وساهمت آليات الترويج في المنصات الرقمية في دفع المحتويات المُثيرة للغضب إلى صدارة المشهد، بما يعكس طبيعة اقتصاد رقمي يُكافئ الإثارة، ويُقصي النقاش الهادئ.
ودفعت بعض المواقع سؤالًا صريحًا إلى الجمهور: “هل تؤيد استبدال مقدّمة برنامج دولة التلاوة برجل؟”، وهو سؤال يكشف انزلاقًا واضحًا من تقييم مضمون البرنامج ومعاييره المهنية إلى التشكيك في حضور المرأة داخل المجال الديني ذاته؛ فالصياغة تفترض مسبقًا أن المشكلة تكمن في كون المقدّمة امرأة، وهو افتراض يعيد إنتاج خطاب إقصائي، يسعى إلى حصر المجال الديني في إطار ذكوري مُغلق.
ولا يقف الخطاب المتداول عند حدود التمييز بين النساء والرجال، بل يمتد أحيانًا إلى تعبيرات طبقية ومجتمعية، تنتقص من النساء العاملات أو المنتميات لطبقات أو مناطق معينة، مما يكشف أبعادًا اجتماعية عميقة للهجمة.
كما يشير هذا النمط إلى بقاء رواسب ثقافية ترى المجال الديني مساحة ذكورية بطبيعته، وهي رؤية تناقض التطور الطبيعي للمجتمع ودور المرأة التاريخي في المعرفة الدينية، وجزء من الهجمة ينبع من تحيزات غير واعية متراكمة عبر الوقت، تُعاد صياغتها كلما ظهرت امرأة في موقع ديني أو رمزي.
أشار دكتور عماد الدين جابر أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة حلوان، إلى أن المذيعة آية عبدالرحمن هي أنسب من يقدم هذا البرنامج فرغم حجم النجاح الباهر والمؤثر لبرنامج دولة التلاوة وما حققه من مشاهدة عالية إلا أن الهجوم على أداء المذيعة ودورها في البرنامج لا يجوز فلا يصح أن نشن كل هذا الهجوم ضدها خصوصا أنها متمكنه وتليق بالمكانة بجدارة.
وقال لـ”القصة”: “أرى ما يحدث عنصرية صريحة ضد المرأة وعملها، فنحن الآن في القرن الـ21، فيجب أن يكون هناك مساواة بين الراجل والمرأة في كل شيء، فعلى مستوى العالم، هناك نساء عديدة تقتحم مجالات العمل بمناصب رفيعة، فيجب أن نصبح مجتمعًا متحضرًا لديه دراية بدور المرأة في المجتمع ويشجعها على ذلك”.
ليس توجها عاما
“فكرة موضوع المذيع وبرنامج دولة التلاوة والعنصرية لبعض الأشخاص لا نستطيع أن نقول توجهًا عامًا”، هكذا علق الدكتور محمد مسعد إمام، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا المساعد بكلية الدراسات الأفريقية العليا جامعة القاهرة.
وأضاف: بالتأكيد هناك فئات معينة بتوجهات مختلفة، ففكرة برنامج دولة التلاوة حازت على إعجاب جمهور كبير، بالإضافة إلى ذلك لنا أصدقاء موجودون في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا ودول الخليج يشيدون بهذا العمل العظيم.
كما علق بأن فكرة أن المذيعة امرأة هي التي تقدم برنامجًا دينيًا، ترجع إلى نظرة المجتمعات الشرقية، حيث إنه عند تواجد محتوى ديني لا يُفترض أن تكون المرأة موجودة، كما يتم الرفض عند بعض الناس بمعتقد أنه لا يصح ولا يجوز أن تكون هي اللامعة، وهذا بالطبع معتقد خطأ عند الكثير.
وأشار “مسعد” إلى أن رجال الدين الأفاضل والشيوخ أصحاب التدين الحقيقي لا توجد لديهم مشكلة مع المرأة، ويتعاملون معها بكل حيادية وموضوعية ويقدّرون علمها وخبراتها.
وأكمل: “إذن فالموضوع لا ينطبق بشكل عام على المجتمع، فأكبر مثال كما ذكرت أنهم رجال الدين أنفسهم يقدّرون دور المرأة، ولكن ما يحدث هو عنصرية وعدم فكر وإدراك لمكانة المرأة المصرية داخل المجتمع، فهناك روح من الود بيننا وبين المرأة، وهذه هي الشخصية العامة المصرية بشكل منفرد”.
كما يحلل أداء المذيعة: “فعندما نرى لباسها لا توجد به أي شيء خارج عن القيم التي تربينا عليها، ولكن تنبع النظرة المجتمعية من أن المرأة تشارك في شيء مرتبط بالدين، وهذا يرجع إلى بعض المتشددين”.
وعلق أن هناك جمهورًا يشجع برامج الأغاني وبرامج الرقص وبرامج المواهب وغير ذلك، ولما ظهر برنامج دولة التلاوة كان تأثيره على المجتمع كبيرًا جدًا، وعلى كل فئات المجتمع كان له قبول واسع.
وأشاد أستاذ علم الاجتماع بأن: “البرنامج جيد جدًا، ويُظهر شبابًا كويسين جدًا، بأصوات جميلة، حافظين للقرآن بأحكام وتلاوات مختلفة بشكل جيد جدًا، كما يؤدي إلى تطور المجتمع، فالإسلام هو دين تنمية مجتمعية ورقي وتحضر، فلا يجوز كمّ الهجوم الذي وقع على المرأة.
ورأى المرصد أن تحويل النقاش من تقييم البرنامج إلى مساءلة المرأة نفسها عن “أهليتها” للظهور في مجال ديني يُعدّ انحرافًا خطيرًا في طبيعة النقاش العام، ويتجاهل الدور البارز الذي لعبته النساء في التعليم الديني والقراءة والإسناد ونقل العلم عبر العصور.
وذكر: “كما يتعارض هذا التوجه مع المادة (11) من الدستور التي تحظر جميع أشكال التمييز، ومع المبادئ الأساسية لحرية التعبير التي تُعد أساسًا لسلامة المجال العام، وقد أدت الهجمة إلى إزاحة النقاش المهني بالكامل؛ إذ اختفى تقييم الأداء والمعايير، وحلّ محلّه جدل قائم على النوع الاجتماعي، وهو ما يضر بجوهر العمل الإعلامي”.
وحذّر المرصد من خطورة التطبيع مع هذا النمط؛ لأن التغاضي عنه يحول العنف الرقمي إلى ممارسة عادية، تمتد آثارها لسنوات، وتفتح الباب أمام موجات أوسع تستهدف النساء العاملات في الإعلام، خاصة في المجالات ذات الحساسية الرمزية.