منذ تأسيس إسرائيل، ظل المشروع الصهيوني قائمًا على فكرة مركزية: “عودة اليهود إلى أرض الميعاد” وبناء وطن آمن يجمع شتات القادمين من أوروبا وروسيا والعالم، لكن الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر لم تهز الأمن الإسرائيلي فقط، بل هزت الأساس العقائدي الذي قامت عليه الدولة، فاليهود الذين جاءوا بحثًا عن الاستقرار ووحدة الهوية الدينية وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف: انعدام أمان، خوف من المجهول، تفكك داخلي، وانهيار الثقة في مؤسسات الدولة.
هكذا تحولت “الهجرة إلى إسرائيل” إلى “الهجرة من إسرائيل”، وتحول حلم “أرض الميعاد” إلى سؤال وجودي: هل ما زالت إسرائيل مكانًا آمناً للعيش؟
في هذا التقرير نستعرض شهادات دبلوماسيين وخبراء بالشأن الإسرائيلي حول أعداد المهاجرين، أسباب عودتهم إلى أوطانهم الأصلية، وأزمة الثقة التي تتفاقم داخل إسرائيل.
لماذا يبقى الألماني أو الفرنسي في دولة بلا مستقبل؟
قال السفير جمال البيومي مساعد وزير الخارجية الأسبق: “ما الذي يجعل الألماني الذي يعيش في برلين أو الفرنسي الذي يعيش في باريس يبقى في دولة بها صراعات واشتباكات وحرب لا مستقبل لها ومعادية لجميع الحدود التي حولها؟”.
ويضيف: “تعداد إسرائيل السكاني لا يسمح لها بأن تُعد جيشًا يحارب فترة طويلة، هناك ما يقرب من 10% من البلد يمكث في الجيش، وعلى أثر ذلك تُغلق المدارس والمستشفيات والمصانع من أجل الحرب.”
ويرى “البيومي” أن دوافع الهجرة اليهودية العكسية مرتبطة بخيبة أمل عميقة: “مجيء الألماني أو الفرنسي إلى إسرائيل كان اعتقادًا منه أنها أرض الميعاد وأنها جنة الله في الأرض، بينما الآن لا مستقبل لها، وبلاده في الأصل أولى به.”
إسرائيل مجموعة من المرتزقة… بلا هوية ولا تركيب سياسي
يتحدث “البيومي” بحدة غير معتادة قائلاً: “إسرائيل ليس لها تركيبة وليس لها هوية، هناك في إسرائيل ما يقرب من 60% جنسيات مختلفة يتحدثون 40 لغة، ومنذ إنشاء إسرائيل لم يستطع أي حزب أن يحصل على 50% من الأصوات ليحكم.”
ويتابع: “هي بلد بلا هوية ولن تكون لها هوية لأنها مجموعة من المرتزقة قادمون من بلدان مختلفة، والدليل: من الذي يترك بلاده ليقيم في دولة أخرى من أجل الديانة اليهودية؟”
التركيبة الديموغرافية خطأ.. والمستقبل غامض
ويقول: “المهاجر الإسرائيلي لن يستأذن للهجرة، بل يأخذ قراره للعودة إلى بلاده ويسافر، هناك نوعان من الإسرائيليين: متعصب يعتقد أن المسألة تتعلق بديانته، وواقعي يريد العيش في بلد على علاقة طيبة مع الآخرين.”
ويضيف: “لا يوجد إسرائيلي مسلم أو مسيحي.. وهذا غير مقبول في أي ثقافة. الدولة قامت على خطأ ديموغرافي متراكم.”
ويوجه رسالة واضحة: “مصر أعلنت أكثر من مرة أنها لن تقبل التهجير لا حاليًا ولا مستقبلًا، ولا مستقبل لدولة تعادي جميع جيرانها، وحتى نصف سكانها أو أكثر قليلًا يعادونها.”
ويكشف سيناريوهين: الأول: استمرار الحرب بقيادة نتنياهو هربًا من السجن؛ الثاني: الصمود الفلسطيني، وهو السيناريو الوحيد الذي يحمل مستقبلًا حقيقيًا.
لا توجد جهة واحدة يمكن الثقة بأرقامها
ومن جهة أخرى، يقدم الدكتور ياسر الطهطاوي الخبير في الشأن الإسرائيلي والتحليل السياسي رؤية تحليلية دقيقة، حيث قال إنه ليس هناك تقديرات مؤكدة حول عدد المهاجرين، لأن الإعلام العبري يقول شيئًا والحكومة تقول شيئًا آخر، والجهات التي في مواجهة مع إسرائيل تقول شيئًا مختلفًا، بالتالي لا توجد جهة محددة يمكن الاعتماد عليها في هذه التقديرات.
وتابع: يفضل المهاجرون السفر إلى أوروبا وأمريكا لأنهم قادمون من هذه البلاد أساسًا، حيث إن هذه البلدان موطنهم الأصلي، وإسرائيل أو فلسطين بالنسبة لهم دولة هم محتلون لها، ولذلك عند نشوب حرب أو اشتباكات يعودون من حيث جاءوا من روسيا وأوروبا والاتحاد السوفيتي وأمريكا، وعدد الإسرائيليين المهاجرين من الشمال بسبب حزب الله ومن الجنوب بسبب غزة يصل إلى عشرات الآلاف ولا يوجد عدد محدد مؤكد، وإذا افترضنا أن إسرائيل عددها 9 ملايين يمكن القول إن عدد المهاجرين نصف مليون تقريبًا.
وأشار “الطهطاوي” إلى أن هناك مستوطنات في الشمال والجنوب، والجزء الذي يثير المشاكل والاشتباكات هو الجزء الواقع على الحدود مع غزة، حيث أصيبوا بصدمة عندما اقتحمت حماس المكان هناك، وسوف تتعلق هذه الواقعة في ذاكرتهم وقد تُخلّد في تاريخهم ليذكروها لأبنائهم. وقد يكون المستوطنون من بين الذين أصيبوا واستشهدوا في 7 أكتوبر وما بعده.
الخوف والرعب.. المحرك الأكبر للهجرة
وأوضح أن ضغط الحرب أثر على قرار الهجرة بعدم الإحساس بالأمان داخل إسرائيل، وإسرائيل بمن فيها في حالة رعب وخوف، فعندما نرى إسرائيل تحارب بعنف وقسوة فذلك لأنها تشعر بالخوف، وهي تلجأ للعنف والقتل والضرب كلما شعرت بالضعف والخوف وعدم الاستقرار. وهذه هي شخصية الإنسان الإسرائيلي، تحدث له حالة من الهياج كلما شعر بالخوف وضعف موقفه، ولذلك يريدون القضاء على أي كيان يقف أمامهم، ودائمًا لديهم خوف ورعب من كل ما هو مجهول.
صدمة 7 أكتوبر والحدود الملتهبة وأزمة ثقة داخلية
واختتم قائلاً: هناك أزمة ثقة بين المواطن الإسرائيلي ومؤسسات الدولة، والدليل على ذلك المظاهرات التي تهتف ضد نتنياهو وضد المؤسسات الحكومية، وهم الآن في مرحلة انقسام وقد يؤدي ذلك إلى تدمير داخل إسرائيل، حيث إن هناك متدينين إسرائيليين لا يرغبون في الدخول مع الجيش الإسرائيلي ويقومون بمظاهرات من أجل عدم انضمامهم للجيش، ومن الداخل يوجد من يعارض الحرب وآخرون يؤيدونها، وكل ذلك يسبب انقسامًا داخل إسرائيل.
2023 أكبر موجة هجرة عكسية في تاريخ إسرائيل
وتستند الخبيرة في الشأن الإسرائيلي نهى بكري لـ “القصة” إلى بيانات رسمية وتقول: من خلال البيانات المتاحة حتى أوائل 2024، تشير بيانات الهجرة الإسرائيلية الرسمية إلى تسارع ملحوظ في وتيرة المغادرة بعد 7 أكتوبر 2023، ففي عام 2023 غادر حوالي 82,700 شخص، وكان صافي الهجرة — عدد المغادرين مطروحًا منه عدد القادمين — سلبياً بحوالي 58,600 شخص، وتشير البيانات الأولية لعام 2024 إلى استمرار هذا الاتجاه.
وتابعت بكري: من حيث العدد المطلق، يعتبر هذا أكبر عدد للمغادرين في سنة واحدة في تاريخ إسرائيل الحديث، وتعتبر سابقة؛ كما أن وتيرة الزيادة المفاجئة المرتبطة مباشرة بحدث أمني كبير “حرب 7 أكتوبر” تعد استثنائية.
ومع ذلك، شهدت إسرائيل فترات سابقة من صافي الهجرة السلبية — مثل أوائل العقد الأول من الألفية — لكنها لم تكن بهذه الحدة والسرعة.
الطبقة المتعلمة تغادر.. والمشروع الصهيوني يفقد عموده الاقتصادي
وأشارت إلى أن النزوح مؤشر لتراجع الثقة في مستقبل الدولة الإسرائيلية، ويعتبره المحللون مؤشرًا قويًا على ذلك، وخاصة لأن الفئة المغادرة — الأسر الشابة والمتعلمة — تشكل نسبة كبيرة من المغادرين، وهي الفئة التي تعتبر عماد المستقبل الاقتصادي والعلمي لأي دولة.
وأضافت أن دوافع المغادرة، وفقًا لاستطلاعات الرأي والدراسات، تتجاوز الخوف الأمني المباشر لتشمل قلقًا أعمق بشأن جودة الحياة، والاستقطاب المجتمعي الحاد، والتوجهات السياسية طويلة المدى للدولة، مما يعكس شكوكًا في “المشروع الصهيوني” كما كان يُصور سابقًا.
180 ألف نازح داخليًا.. وخطر تحول النزوح إلى هجرة دائمة
وأوضحت حجم التهجير الداخلي من الشمال والجنوب حتى نهاية 2024: يُقدَّر عدد النازحين داخليًا بسبب القتال في الشمال “مع حزب الله” بحوالي 80,000 شخص، وفي الجنوب “مناطق محيطة بغزة” بحوالي 100,000 شخص، أي أن إجمالي النازحين داخليًا يقترب من 180,000 مواطن إسرائيلي.
وذكرت: في ظل سيناريو التصعيد المستمر في الشمال، قد يُضطر المزيد من السكان للخروج، وقد تطول فترة نزوح من هم خارج ديارهم بالفعل لأشهر أو حتى سنوات.
وعن تأثير استمرار الحرب على أعداد المرحلين قالت: ” نعم، الاستمرار الطويل للحرب، وفي حالة إعادة إطلاق النار، يزيد من احتمالية تحول النزوح المؤقت إلى هجرة دائمة للأسباب التالية:
كلما طال أمد بقاء الناس بعيدًا عن منازلهم ووظائفهم ومدارس أطفالهم، زاد تفكيرهم في بدء حياة جديدة في مكان آخر داخل إسرائيل أو خارجها.
تآكل الشعور بالأمان: استمرار تبادل القصف في الشمال يرسخ شعورًا بعدم إمكانية العودة إلى “حياة طبيعية” في تلك المناطق.
السياق المختلف: الحديث الإسرائيلي الرسمي الحالي عن “التهجير” يركز على خطط لترحيل الفلسطينيين، وليس على تهجير الإسرائيليين أنفسهم.
مصدر القلق الرئيسي: الخوف المجتمعي الإسرائيلي ينبع من التجربة الملموسة للنزوح من حدود الشمال والجنوب، ومن الشعور بعدم وجود حل أمني يسمح بعودة آمنة.
التهديد الديموغرافي: الخطر المباشر على العدد الإجمالي للسكان محدود نسبيًا مقارنة بنحو 10 ملايين نسمة.
التهديد الديموغرافي الحقيقي: ليست الأعداد… بل النوعية
لكن الخطر الحقيقي هو تغير نوعية السكان؛ فالهجرة النخبوية واستمرار هجرة اليهود العلمانيين مقابل المعدل المرتفع للمواليد بين المستوطنين والمتدينين يغير التركيب الاجتماعي والسياسي الداخلي لإسرائيل على المدى الطويل.
أما بالنسبة للضغط لقبول شروط سياسية، فلا يوجد حتى الآن دليل على أن الهجرة الداخلية أو الخارجية شكلت ضغطًا مباشرًا جعل الحكومة تقبل شروطًا معينة في التفاوض، إذ تحكم القرارات في هذا المجال اعتبارات أمنية وإقليمية أكثر منها ديموغرافية.
مستوطنات الضفة الغربية: احتمال انهيارها بالكامل ضعيف في المدى المنظور بسبب الدعم السياسي والمالي الهائل لها.
المستوطنات الحدودية خاصة الشمالية: هنا الخطر أكبر؛ فبعض الكيبوتز والمستوطنات القريبة من لبنان أُخليت بالكامل وتعرضت لأضرار مادية، واستمرار الوضع الأمني الهش قد يدفع سكانها للبحث عن بدائل دائمة، مما يهدد وجودها كمجتمعات نابضة بالحياة.
المواطن الإسرائيلي ما بين التفاؤل والتشاؤم
واختتمت قائلة: “نظرة المواطن يغلب عليها مشاعر متناقضة: فبينما يزداد التلاحم الوطني في أوقات الأزمات خاصة بين العلمانيين، ينتشر التشاؤم والغضب والانقسام، والكثيرون يشعرون بأن إسرائيل التي يعرفونها تتغير إلى الأبد، مما يولد الحنين أو الرغبة في المغادرة.”
وذكرت أنه على المدى القصير تتحمل الدولة تكاليف إيواء وإعالة حوالي 180 ألف نازح داخليًا، وهو عبء كبير لكنه قابل للإدارة، على المدى الطويل الخطر الأكبر هو هروب العقول ورأس المال، وإذا استمرت هجرة العاملين في قطاع التكنولوجيا المتقدم “الهايتك”، فقد يتضرر عمود الاقتصاد الإسرائيلي الرئيسي، مما يقوض قدرة الدولة على تمويل نفسها وتوفير الرفاهية لمواطنيها، وأصبح الخوف أصبح جزءًا من الحياة اليومية داخل إسرائيل في ظل عدم وضوح مستقبل الأمن.
دولة تبحث عن هوية.. وشعب يبحث عن ملاذ
يكشف التقرير أن الأزمة التي تعيشها إسرائيل لم تعد أمنية فقط، بل وجودية؛ مشروع “أرض الميعاد” يتحول إلى سؤال مفتوح: هل صارت إسرائيل مكانًا لا يريد سكانه العيش فيه؟
ووسط انقسام داخلي، وانهيار ثقة، ونزوح داخلي وخارجي، وصراع سياسي، يبدو أن مستقبل الدولة العبرية يقف على مفترق طرق لم يشهده منذ تأسيسها.