شيماء سامي
بعد نشر الجزء الأول من هذا المقال قبل أسبوعين، فوجئت — وربما لم أفاجأ — بسيلٍ جارف من التفاعل، آلاف القرّاء، مئات التعليقات، عشرات الرسائل، ليس لأن المقال عبقري أو لأن كاتبه يُحسن الصياغة، بل لأن الجرح أعمق مما نتخيّل، ولأننا أمام قضية تمسّ القلب المباشر لسؤال: أين سنعيش غدًا؟ لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن حجم التفاعل، وإنما حدة الانقسام التي كشفتها التعليقات.
كل طرف يتعامل مع الآخر كعدو، المالك يكتب غاضبًا: “سنسترد حقنا ولو بالقوة”، والمستأجر يرد: “مش هتطلعونا من بيوتنا إلا على جثثنا”، لغة مشحونة بالكراهية والتهديد والسخرية لا تليق بمجتمع يعيش أزمة واحدة ومصيرًا واحدًا.
جرح اجتماعي يكشف انقسامًا عميقًا
أزمة الإيجار القديم ليست مجرد خلاف قانوني أو عقد بين طرفين، بل أزمة وجودية تمس إحساس الإنسان بالأمان والسكن والذاكرة والانتماء.
التعليقات التي انهالت تكشف عن خوف متراكم، وعن احتقان قديم لم يجد لنفسه مساحة صحيحة للتعبير. الملاك يشعرون أنهم حُرموا من حقوقهم لعقود وأن ملكيتهم تم تجميدها وتعطيل قيمتها، بينما المستأجرون يشعرون بالخطر على مستقبلهم وشيخوختهم وذكرياتهم التي نسجوها داخل البيوت ذاتها طوال عشرات السنين.
وكلما اشتد النقاش، ازدادت النظرة العدائية بين الطرفين، وكأن أحدهما لا يعيش الأزمة ذاتها ولا ينتمي إلى الوطن ذاته، يتحول القانون فجأة إلى أداة تقسيم طبقي، بدل أن يكون آلية لتحقيق العدالة بين الناس، في بلد مثقل أصلًا بفوارق اجتماعية واقتصادية مؤلمة.
تشريع دون نقاش.. ودولة غائبة تترك الناس يحترقون وحدهم
الخلل الحقيقي لا يكمن في اختلاف المواقف، بل في غياب الدولة عن إدارة هذا الملف منذ عقود، قوانين تاريخية تركت التشوهات تتراكم، ثم عندما قررت الدولة التدخل جاءت التعديلات دون حوار مجتمعي أو جلسات استماع أو رؤية إنسانية تراعي هشاشة اللحظة الاقتصادية.
فجأة يُقال للمستأجرين إن أمامهم سنوات قليلة لإخلاء بيوتهم أو تحمل إيجارات لا تشبه الواقع ولا رواتبهم. الأمن السكني ليس رفاهية بل هو حجر الأساس لأي استقرار أسري أو مجتمعي.
إهدار هذا الأمان يعني تفكيك الروابط التي تشكل نسيج المجتمع ذاته. وفي الوقت نفسه لا يمكن إنكار أن هناك ظلمًا تاريخيًا وقع على الملاك، وأن آلاف الوحدات مغلقة بلا استفادة، لكن الاعتراف بظلم لا يبرر صناعة ظلم جديد أشد قسوة.
الحل العادل يبدأ من إلغاء مادة الطرد لأنها تمهد لكارثة إنسانية حقيقية، ثم رفع الإيجار بشكل تدريجي وعادل يضمن حق المالك في استثمار ملكه، مع إلزام الدولة بأن تتحمل الفارق عن المستأجرين غير القادرين على الزيادة، فالفئات الضعيفة ليست طرفًا يمكن التفاوض معه على سلامه وسقفه. أما الوحدات المغلقة فيجب إعادة دمجها في السوق بآليات عادلة تكسر الجمود وتعيد الحياة للعقار والسكن معًا. كل ذلك لا يتحقق إلا بعودة الدولة إلى موقع الشريك المسؤول، لا المتفرج الذي يترك الجمر تحت أقدام الناس ثم يتصنع الدهشة حين تشتعل النار.
الصمت ليس استقرارًا.. بل لحظة ما قبل الانفجار
ما ظهر في التعليقات ليس مجرد تطرف في الرأي، بل مؤشر على انكسار الثقة في القانون نفسه. حين يشعر المواطن بأن العدالة غائبة وأن الدولة خصم لا حكم، يصبح الغضب أقرب إلى الانفجار.
الدولة تتصرف وكأن الحل الأمني قادر على احتواء أي أزمة، لكنها تغفل أن الصراعات التي تمسّ بيت الإنسان تمسّ كرامته ووجوده، وهذه أعمق كثيرًا من أن تُسكت بمجرد التهديد أو انتظار أن تمرّ العاصفة. فالإنسان قد يتكيف مع غلاء الأسعار أو نقص الخدمات، لكنه لا ينسى ولا يغفر أن يُنتزع من بيته.
لغة العنف التي ظهرت على المنصات ليست تحريضًا عابرًا بل صدى لخوف جماعي يشعر بأن أحدًا لم يعد يحميه. عندما يتمنى الناس تشريد بعضهم البعض، فهذا لا يعني أنهم بلا رحمة، بل يعني أن الدولة تركت المشاعر تتوحش دون تدخل، وتركت المجتمع يدافع عن نفسه بفكرة “إما أنا أو هو”. وهكذا تتحول القوانين من أدوات تنظيم إلى أدوات كراهية.
الخاتمة: العدالة التي تهدد الأمان ليست عدالة
العدالة تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان قبل حماية العقار. فإذا كان القانون يُشعر المواطن بأنه مطارد داخل وطنه، ويلغي حقه في السكن كحق إنساني أصيل، فإنه يتحول إلى ظلم مهما بدا منطقيًا على الورق. فالأزمة هنا ليست صراعًا على شقة، بل صراعًا على معنى الوطن والأمان والانتماء. وإذا لم تتدخل الدولة اليوم لتعيد الثقة وتصون كرامة بيوت الناس، فسيقوم الغضب نفسه بهذا الدور ولكن بثمن أكبر وأشد قسوة.
ما بُني على الخوف لا يدوم، وما سُلب بالقانون لا يُسترد بسهولة. والإنسان قد يسكت قليلًا، لكنه لا ينسى من يهدد بيته، ولا يغفر لقانون ينزع عنه حق الحياة المستقرة.
إننا أمام لحظة اختيار: إما قانون يعيد التوازن ويحمي الجميع، أو قانون يشعل صراعًا لا رابح فيه.
وسنظل نكتب وننشر عن هذه “القنبلة” لعلنا ننزع فتيلها قبل أن تنفجر فينا جميعًا، ملاكًا ومستأجرين، مواطنين لا يطلبون سوى قدر من الاستقرار.