بعد سنوات طالت من الحديث حول الإعلام المصري وتطويره، لم تعد أزمة الإعلام محل خلاف أو جدل، بل أصبحت حقيقة يومية يلمسها العاملون داخل المؤسسات الإعلامية قبل الجمهور.
وبالرغم من تزايد المنصات التي تقدم محتوى إعلامي في مصر، فإن الفترة الأخيرة شهدت تراجعًا في الثقة لدى الجمهور، مع ضيق هامش التأثير والحرية.
ماذا قال الرئيس عن الإعلام؟
في 10 من أغسطس الماضي، اجتمع الرئيس مع ممثلي الهيئات الإعلامية في مصر، وحينها وجّه بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري، بالاستعانة بكل الخبرات والكفاءات المتخصصة، لضمان مواكبة الإعلام الوطني للتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.
قرار بتشكيل لجان لتطوير الإعلام
في 5 من أكتوبر الماضي، وجه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بتشكيل لجنة رئيسية لتطوير الإعلام المصري، تختص بإعداد خارطة طريق متكاملة تتضمن المستهدفات بشكل واضح، بما في ذلك توصيف الوضع، والتحديات التي يتعين التعامل معها، وتحديد الجهات والأشخاص المنوط بهم تنفيذ الخارطة بشكل فاعل.
بدء لجان تطوير الإعلام
في 14 أكتوبر، بدأت الجلسة الأولى للجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري، وخلال الاجتماع الأول تم الاتفاق على تشكيل عدد من اللجان الفرعية، على أن يختار الأعضاء اللجان التي يرغبون في الانضمام إليها.
وتعقد اللجنة، يوم الاثنين المقبل، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام اجتماعها الأخير بمقر الأكاديمية الوطنية للتدريب.
ويناقش الاجتماع التوصيات النهائية الصادرة عن اللجان الفرعية الـ 8، ومن المقرر أن يرفع المهندس خالد عبدالعزيز، رئيس اللجنة، التوصيات النهائية بعد الانتهاء من صياغتها، إلى رئيس مجلس الوزراء تمهيدًا لعرضها على رئيس الجمهورية.
ماذا حدث في اجتماعات تطوير الإعلام؟
يقول خالد البرماوي، الكاتب الصحفي المتخصص في الإعلام الرقمي وعضو لجنة تطوير الإعلام، إن الحديث باسم لجان تطوير الإعلام أو الإفصاح عن نتائج أعمالها قبل الإعلان الرسمي عنها أمر غير دقيق، مؤكدًا أن الأمانة المهنية تقتضي الالتزام بذلك.
وأكد البرماوي في تصريحات خاصة لـ “القصة” أن اللجان بذلت جهدًا كبيرًا خلال فترة عملها، وعقدت العديد من الاجتماعات، جرى خلالها عرض ومناقشة آراء متنوعة تمثل مختلف الأطياف، مؤكدًا أنه لم يكن هناك أي نوع من التضييق على الآراء أو وجهات النظر داخل الاجتماعات.
وأوضح البرماوي أن المناقشات تناولت كل ما يمكن تصوره أو حتى ما لم يكن متوقعًا طرحه، لافتًا إلى وجود جدية واضحة وروح إيجابية من جانب الدولة، ورغبة صادقة في إحداث تغيير حقيقي وتطوير وتحسين المشهد الإعلامي.
وأشار البرماوي إلى أن مسار التطوير لا يخلو من عقبات وتحديات كبيرة، مشيرًا أن توافر النوايا الحسنة، مؤكدًا أن الاختبار الحقيقي سيكون في التفاصيل والإجراءات، وكيفية ترجمة التوصيات إلى واقع ملموس.
ولفت إلى أن الحكم النهائي على نتائج أعمال اللجنة سيبقى مرهونًا بما ستكشف عنه الأيام المقبلة، ومدى القدرة على تنفيذ ما تم التوافق عليه على أرض الواقع.
وتراجع تصنيف مصر في مجال الحريات الإعلامية بشكل كبير طوال السنوات الماضية بحسب المنظمات الدولية العاملة في مجال الإعلام.
الحرية أساس إنقاذ المهنة
في تصريحات صحفية سابقة لـ “القصة”، أوضح الكاتب الصحفي يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، أن الحرية هي المدخل الأساسي لإنقاذ مهنة الإعلام والصحافة في مصر، مؤكدًا أن أي جهود لتطوير الصناعة أو جذب الاستثمار لن تكون فعالة دون إرادة حقيقية وإجماع على تعزيز هذا المبدأ.
وأكد قلاش أن الإعلام ليس مجرد صناعة، بل مهنة قائمة على سقف الحرية، فالمهنة وقودها الأساسي الحرية، وكلما اتسع هامش الحرية، زاد نمو المهنة، وظهر التنوع والمنافسة، مؤكدًا أن الحرية تمثل الأكسجين الذي تتنفسه المهنة.
وأشار قلاش إلى أن أي خطوات تنظيمية أو إدارية، أو تشكيل لجان لتطوير الإعلام، لن تكون كافية إذا لم يتوافر تمكين للصحفيين والإعلاميين لأداء دورهم بشكل كامل ومستقل، مؤكدًا أن الإرادة والدعم المؤسسي هما المدخل الأساسي لعلاج أي خلل في صناعة الإعلام.
وقال قلاش: “لا يمكن أن يكون لديك جيش مكبل اليدين والقدمين، ثم تطلب منه أداء مهامه، إذا بدأنا باللجان أو اللقاءات الرئاسية أو تشكيل اللجان، دون إرادة حقيقية، فلن تصل أي خطوة إلى النتيجة المرجوة”.
المساواة في أجور الصحفيين يسبق أي تطوير
أكدت الكاتبة الصحفية حنان فكري، عضو مجلس نقابة الصحفيين السابق، أن أي حديث عن تطوير الإعلام أو تعزيز الحريات سيكون عبثيًا إذا لم يسبقه تحقيق العدالة والمساواة في أجور الصحفيين، مؤكدة أن الاستقرار المادي للصحفي هو المدخل الأساسي لإنتاج إعلام حر ومستقل.
وأوضحت فكري في تصريحات سابقة لـ “القصة” أن الإعلام المصري يمتلك بنية قوية وخبرة بشرية عريقة، لكنه يحتاج إلى مناخ استثماري محفز، مؤكدة الحاجة إلى تحديث التشريعات الإعلامية بما يضمن حرية الاستثمار والشفافية، وتبسيط إجراءات تأسيس المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية.
ولفتت إلى أن إصدار حوافز ضريبية وجمركية للشركات التي تستثمر في الإنتاج الإعلامي أو التقني “مثل تخفيضات على معدات التصوير، أو إعفاءات جزئية على المحتوى الثقافي والتوعوي”، يعتبر من ضمن الخطوات الأولى للعلاج.
وأكدت”فكري” ضرورة تفعيل شراكات القطاعين العام والخاص والصحف القومية والخاصة في مشروعات الإنتاج، التدريب، والمنصات الرقمية، بالإضافة إلى إنشاء مناطق إعلامية حرة متكاملة “Media Free Zones” تمكن الشباب من اطلاق طاقاتهم بدون تكلفة مبالغ فيها.
ولفتت إلى ضرورة دعم حاضنات ومشروعات أعمال إعلامية للشباب المبدعين، ذوي الكفاءة، وليسوا ذوي القرب، بهدف توليد أفكار جديدة تجذب رؤوس الأموال، فضلًا عن إطلاق منصات شفافة للبيانات الإعلامية والإعلانية دون تدخل حكومي أو وصاية أي جهة، توضح نسب المشاهدة والانتشار لجذب المعلنين والمستثمرين بثقة.
النظر في البيئة السياسية بداية أي إصلاح
وأكد الكاتب الصحفي محمد سعد عبد الحفيظ، رئيس لجنة التدريب وتطوير المهنة بنقابة الصحفيين، ومدير تحرير جريدة الشروق، أن أي إصلاح إعلامي يبدأ بإعادة النظر في البيئة السياسية والتشريعية التي فرضت قيودًا على صناعة الصحافة، مؤكدًا أن السلطة مطالبة اليوم بتحويل المقاصد الدستورية إلى واقع ملموس يضمن حرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة.
وأوضح عبد الحفيظ في تصريحات سابقة لـ “القصة” أن الدستور المصري، الذي حظر منذ أكثر من عشر سنوات الحبس في قضايا النشر، ما زال يواجه منظومة تشريعية تُبقي سيف الحبس مسلطًا على رقاب الصحفيين،مشيرًا إلى أن القوانين الحالية أعطت الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام صفة الشرعية، رغم أن الدستور لا يجيزها إلا في حالتي الحرب والتعبئة العامة.
وأشار عبد الحفيظ إلى أن استمرار تجاهل إصدار قانون ينظم حرية تداول المعلومات يمثل أحد أبرز مظاهر الخلل التشريعي، مؤكدًا أن غياب هذا القانون يقلل من قدرة الصحفيين على أداء دورهم، ويقيد حق المواطنين في المعرفة.
وطالب عبد الحفيظ، بضرورة التوافق بين أطراف المنظومة الإعلامية على أجندة إصلاح تشريعي شامل، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والصحافة على أساس من الثقة لا الوصاية، مؤكدًا أن إغلاق النوافذ وفرض القيود يدفعان الجمهور نحو بدائل تضلله أو تخدعه بمحتوى موجه رغم جاذبيته.
وأكد أن الصحافة لم تكن يومًا خصمًا للسلطة ولا منافسًا لها، بل قناة اتصال بين الدولة والمجتمع، مهمتها أن تراقب وتفسر وتنتقد وتوجه، لا أن تبرر وتروج.
وقال إن استعادة الثقة بين الدولة والإعلام هي الطريق لبناء منظومة صحفية قوية وفاعلة، مؤكدًا أن الدولة التي لا تمتلك إعلامًا حرًا تفقد بوصلتها، وتحرم نفسها من القناة التي تعكس نبض الناس واتجاهات الرأي العام.