أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

الاستهلاك بين الضرورة والسفه

عرف الفضاء الاجتماعي المصري في جل عصوره وحقبه المنصرمة مسالك استهلاكية، جاءت في معظمها رشيدة، متزنة، باستثناء فئة ضئيلة من أثرياء المجتمع، حتى هذه الفئة على ضآلتها لم تعرف هذه النزعة الاستهلاكية الآنية.

فغالبا كانت أكثر اتساعا في معيشتها، وربما شاب سلوك بعضها الإسراف الشديد، ولكن دون الوقوع في دروب تلك النزعة الجديدة من الاستهلاك، والتي يعرفها الاقتصاديون وعلماء الاجتماع بأنها ثقافة مجتمعية، تركز على تملك كميات كبيرة من السلع والخدمات.

وغالبا تكون مدفوعة بالرغبة في المظاهر الاجتماعية وتحقيق الذات عبر الماديات، قد تصل إلى الاستهلاك المهدر،حيث تُـفقَد فائدة السلعة دون إشباع حاجة حقيقية.

أخبار ذات صلة

مطار الخرطوم
وسط سماء مليئة بالمسيرات.. أول طائرة تحط بمطار الخرطوم
محمد مصباح
معبر رفح بين الإجلاء المحدود والكارثة المستمرة.. الهلال الأحمر الفلسطيني يكشف لـ"القصة" تفاصيل الوضع الإنساني في غزة
IMG_6090
كهرباء الإسماعيلية يثور ضد التحكيم.. ويطالب بطاقم دولي أمام الزمالك

ولم تكن صور الاستهلاك لدى المصريين على ماهي عليه من الجموح نحو النزعة الاستهلاكية التي أُصِبنا بها، أثرياء وفقراء على السواء، إذ كانت القرية تستهلك في حدود ما تدره عليها مصادرها المتنوعة من ثمار الزراعة وتربية الدواجن والماشية وبيع المحاصيل الزراعية كالقطن (الذهب الأبيض )، والقمح والأرز والأذرة وغير ذلك من ألوان الخضروات والفاكهة، ولم تكن تعتمد على اسواق المدينة إلا في السلع الضرورية التي لابد منها، حتى صبيانها وصغارها كانوا يصنعون ألعابهم بأيديهم من خلال ما يتوفر في البيئة القروية من مواد وخامات ريفية خالصة، ولم يكن جهاز العروسين يحتوي سلعا غير لازمة، أما حفل العروسين فكان يُهَيَّأ له مكانا بأحد أجران القرية مع قضاء سهرة يقدمها عوالم يقدمن من المدن المجاورة، أو مع أحد المنشدين الذين يتغنون بملحمة أبي زيد الهلالي أو بقصص شعبية تحمل في ثناياها حكما ومواعظ، أما استهلاك الخبز فكان وراءه فرن ملحق بكل بيت يوقد بالقش مما أغنى أهل القرية عن وقود الغاز، وكان وابور الجاز مكملا لهذا الفرن، أما في حاضر قريتنا الآني فكل شيء قد تغير وطغت النزعة الاستهلاكية على نحو محزن،فقد اختفت أفران المنازل وحل محلها أفران مميكنة تصنع لها الخبز وغيره من صنوف المخبوزات، واختفى الاحتفال بالعروسين في جرن القرية وبات يقام بإحدى قاعات المدن المجاورة وهو مايتسابق فيه أهل القرية ويتنافسون رغم غلو تأجيرها وماينفق بها، واكتظ البيت القروي بأدوات إليكترونية متعددة النسخ للصنف الواحد من السلعة كتعدد شاشات العرض التلفازي في البيت الواحد وكذلك الغسالات والبوتاجازات كلون من المباهاة والتفاخر ليس غير، واختفت الألعاب المصنوعة محليا كالطائرات الورقية وغيرها وحل محلها بكثافة الألعاب البلاستيكية المستوردة من خارج البلاد فأغرقت قرانا بصورة مذهلة.

فانصرف صبية القرية عن الإبداع المحلي في انتظار ما تجود به هذه الأسواق من منتجات سريعة التلف، وهل يقع في تصورك أن أنواعا من الفاكهة طيبة المذاق كانت متاحة مجانيا لأهل القرية ومن يمرون عليها من الغرباء كالتين الشوكي، والتوت، والجميز؟

ويالدهشة القروي حين يجد هذه الثمار تباع بأسعار لم تخطر على باله يوما ما!!!؟ وفي الجانب الآخر بالمدن المصرية مانجده ليس بعيدا عما يجري في قرانا من نزعة استهلاكية مُستَنكَرة، في المأكل والملبس ووسائل الترفيه، فهاهوذا كل شارع وكل حي يكاد لا يخلو من مطاعم الوجبات السريعة وإعداد الطعام خارج المنزل (دليفري )، حتى أن الوجبة تكلف صاحبها أضعاف ما تكلفه إذا تم إعدادها منزليا، ومن المناظر المألوفة تزاحم الناس أمام هذه المحال، وتلاحظ الدرجات النارية يقودها شاب أرعن يدعوه صاحب المحل ب (الطيار ) يطير مسرعا لتوصيل هذه الأطعمة إلى مختلف أنحاء المدينة إلى ربات بيوت آثرن الراحة والدعة، وارتكنٌَ إلى الخمول والكسل، وانظر إلى استهلاك شبابنا للملابس والأحذية باهظة الثمن.

ولعل في مشهد اقتناء وحمل أجهزة الهاتف المحمول من قِبَل الصغار والكبار والأغنياء والفقراء والعاملين والعاطلين والمتسولين ما ينطق زاعقا عن هذه النزعة الاستهلاكية الطاغية، وهي إحدى تمثلات موجات الحداثة وثقافتها الغازية، التي تَأَبَّطَتها العولمة وجابت بها في كل بقعة من بلادنا، واقتحمت بيوتنا، واستقرت وثبتت في وعي جماهيرنا العريضة، فالكل مدفوع نحو تلك النزعة البغيضة التي تهدر ماكان يمكن أن يدخروه ادخارا نافعا، إن هذه النزعة طارئة على مجتمعنا، وغريبة عنه، رغم هيمنتها الآنية على فضائنا الاجتماعي، إذ يُرجِعُ الباحثون بداية ظهورها إلى المجتمع الأوربي في القرن الثامن عشر عن الطبقات الوسطى في بريطانيا، والطبقات العاملة في القرن التاسع عشر في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

وإن من عوامل ظهورها في تلك البلدان، تطور الإعلان، وانتشار المخازن التجارية الكبيرة وأماكن قضاء الأجازات والتسلية الجماهيرية وتزجية أوقات الفراغ، كما يرجعها البعض إلى حركة صناعة الصورة من حيث النمط والشكل، اللذين كثفا التأكيد على اللحظة واللذة والتعبير عن الذات والجمال الجسدي والتحرر من الالتزامات الاجتماعية،وفي هذا السياق رأى آخرون أن ثقافة الاستهلاك خلال الإعلان والإعلام وتكتيكات عرض السلع قادرة على زعزعة المعنى الحقيقي لاستعمال السلعة، أو معنى السلع وارتباطها بالصور الجديدة والرموز التي تستدعي المدى الكبير من المشاعر والرغبات المرتبط بها.

وفي اعتقادي أن تفشي هذه النزعة في فضاء المجتمع المصري مرجعه إلى مايأتي: الهجرة الجماعية لفلاحي وعمال وحرفيِّ مصر للعمل في بلاد النفط الخليجي، وجلبهم لسلع استهلاكية رائجة في هذه البلاد، لاتتفق ولاتستقيم مع متطلبات ذويهم الضرورية، ثم عودة هؤلاء المهاجرين بعد غياب سنوات طويلة محملين بأرصدة مالية ضخمة مما أغراهم بأن يهيئوا لأنفسهم مستوى اجتماعيا مفارقا لما كانوا عليه من قبل، وقد أسسوا له بمظاهر التباهي والزهو والتفاخر والاستعلاء وذلك يستلزم منهم الشذوذ الاستهلاكي العلني الذي تستنكره الأديان السماوية والأعراف الاجتماعية التي نحُّوها جانبا، وقبل ذلك صعود الشرنقات الطفيلية من القاع إلى تَصَدُّر المشهد عن طريق التجارة المحرمة على نطاق واسع بمعاونة فوضى الانفتاح الشؤم، ولكل ماسبق وصلنا إلى هذه النزعة الاستهلاكية التي ماكان لها أن تستفحل إلا في مناخ تغيبت فيه القيم، وتشوه فيه الوعي، وفسدت الذمم، وماتت الضمائر، وحضور فضاء إعلامي مرئي يَتَسَيَّد ويستبد ويلح بإعلاناته التي تستغل عنصر الصورة استغلالا بغيضا مُتَجَنِّيا على ذوق وعقل المشاهدين.

فيدفع بهم دفعا إلى الاستهلاك الأعمى، الذي من مخاطره إرهاق ميزانية الأسرة المصرية على اختلاف مستوياتها، بل يتجاوز ذلك إلى إهدار الاقتصاد الوطني.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

247
أزمة كنيسة 15 مايو.. من المسؤول وأين الحقيقة.. القصة كاملة
IMG-20260108-WA0002
3 سيناريوهات.. أمام المحكمة الدستورية لقانون الإيجار القديم ولماذا يُرجَّح رفض الطعون؟
resize
الذهب يسجل ارتفاعًا طفيفًا صباح اليوم.. وعيار 21 عند هذا الرقم
IMG_6060
قمة مانشستر سيتي ونيوكاسل تتصدر المشهد.. مباريات اليوم الأربعاء

أقرأ أيضًا

IMG-20260203-WA0138(1)
أمهات بلا أصوات.. النساء اللواتي لم يخترن الأمومة لكن عشنها حتى آخر العمر
أحمد منتصر
إيران وأمريكا.. انعطافة دبلوماسية حذرة على حافة التصعيد
الشاعر السماح عبد الله
مهازل الليالي الشعرية في معرض الكتاب
47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
جزيرة المتعة الحرام.. هل كان جيفري إبستين عميلا للموساد؟!