أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

زيارة للتاريخ

ارتدى الرجل الكبير ملابس نومه بعد يوم شاق وسط جماهير دمشق التي زحفت على قصر الضيافة وافترشت الأرض والطرقات في انتظاره وترقب طلته، كان الرجل منهكًا للغاية في ذلك اليوم ال 5 من مارس 1958 حين دخل عليه عبد الحميد السراج مدير المكتب الثاني في سوريا “المخابرات العسكرية” ليخبره بأمر خطير لا يحتمل التأجيل.

نظر له عبد الناصر سائلًا ألاّ يحتمل هذا الأمر التأجيل للغد، لكن السراج أصر على الاستماع إليه لخطورة الأمر، فاستأذنه أن يحكي له وهو ممد على الفراش.

لم يكن عبد الحميد السراج غريبًا على عبد الناصر، فالرجل عروبي بامتياز ومواقفه شاهدة عليه.

أخبار ذات صلة

IMG_6090
كهرباء الإسماعيلية يثور ضد التحكيم.. ويطالب بطاقم دولي أمام الزمالك
247
أزمة كنيسة 15 مايو.. من المسؤول وأين الحقيقة.. القصة كاملة
IMG-20260108-WA0002
3 سيناريوهات.. أمام المحكمة الدستورية لقانون الإيجار القديم ولماذا يُرجَّح رفض الطعون؟

ففي العام ١٩٥٦ وأثناء العدوان الثلاثي على مصر قام السراج ورجاله بتفجير خط أنابيب النفط القادم من العراق والذي يمر عبر الأراضي السورية نحو تركيا لتصديره لأوروبا، يومها حين وصل الأمر لعبد الناصر في وسط المعركة بعث برسالة إلى السراج ” من جمال عبد الناصر إلى عبد الحميد السراج: سلمت يداك”.

واليوم وعبد الناصر في سوريا بعد توقيع اتفاقية الوحدة المصرية السورية، كان السراج أكثر المبتهجين بتحقيق الحلم لكنه كرجل استخباراتي يستشعر الخطر ويُدرك أن ثمة مؤامرات تُحاك في الخفاء وفي أقبية ظلام أجهزة استخباراتية ضد الوحدة التي جاءت كصدمة لتلك الأجهزة، فالولايات المتحدة الأميركية رأت أن إتمام مشروع الوحدة يمثل سياسة مناهضة لها ويقوي من جبهة عبد الناصر المعادي لسياساتها، وإسرائيل وجدت نفسها بين فكي الكماشة، وتركيا رأت خطرًا كبيرًا على حدودها الجنوبية للدرجة التي دفعت رئيس وزراء تركيا عدنان مندريس للاتصال بالرئيس الأميركي صباح توقيع الوحدة ليقول له “سيدي الرئيس لقد نمت بالأمس وعلى حدودي الجنوبية دولة تعدادها ستة ملايين لاستيقظ اليوم وعلى حدودي الجنوبية دولة تعدادها ستة وثلاثين مليونًا”.

والأردن متخوف من امتداد أثر الوحدة إلى حدوده بما يهدد العرش الهاشمي الذي يعرف حدود دوره ككيان وظيفي، وإيران الشاه ناصبت الوحدة العداء، والسعودية التي هي في حالة عداء غير مبرر لسياسات عبد الناصر ترى أن مشروع الوحدة يعمل على تقزيمها، حتى السوفيت كان موقفهم من الوحدة سلبيًا؛ فالوحدة جرت على أساس قومي لا على أسس أممية وهو ما يخالف أيديولوجية السوفيت الماركسية.

ولم ينتظر عبد الحميد السراج طويلًا، فقد طرقت المؤامرة ذاتها بابه، ولم تكن مفاجأة له، كان الزائر هو أسعد إبراهيم صهر الملك سعود ملك المملكة السعودية ووالد زوجته جميلة أم خالد.

أسعد إبراهيم لم يكن سعوديًا بل هو مواطن سوري من اللاذقية عُرف بتجارته في الحمير المسروقة، ودخل السجن ذات مرة بتهمة سرقة حمار فكان مشهورًا كسارق حمير، لكن الملك سعود -الذي عُرف بهوسه بالحسناوات وبزيجاته العديدة التي وصلت ٤٤ زوجة- عرف عبر سماسرة النساء أن لأسعد ابنة جميلة فائقة الحسن والبهاء اسمها جميلة، وسريعًا تمت إجراءات الزواج، وأنجبت له ثمانية أبناء أكبرهم خالد الذي تولى رئاسة الحرس الوطني في عهد والده، وتبدّل وضع أسعد إبراهيم بين عشية وضحاها كصهر لجلالة الملك وصار الرجل واسع الثراء ومن أصحاب الملايين مترددًا بطائرة خاصة بين الرياض ودمشق.

طرف الخيط في المؤامرة جرت من خلال نائب وزير الخارجية السعودي والرجل المقرب من الملك سعود ومستشاره يوسف ياسين، عُرف عن ياسين تآمره وفساده ولا أخلاقيته، ياسين كان متزوجًا من إمرأة سورية تربطها علاقة بالنائب السوري عزيز عياد.

على عجل جرى ترتيب زيارة سرية عبر طائرة خاصة لعزيز عياد إلى الرياض حيث قابل الملك سعود الذي لعن الوحدة وجمال عبد الناصر، وعرض على عياد خطته للتخلص من جمال عبد الناصر عند مغادرته الحدود السورية عقب إنهاء زيارته، بأن تقوم طائرة حربية باستهداف طائرة الرئيس عبد الناصر في الجو، ثم يحدث إنقلاب عسكري في سوريا يعلن أن إسرائيل هي من استهدفت طائرة الرئيس ثم تضييع المسائل وسط التفاصيل، تجاوب عزيز عياد مع جلالة الملك وجرى تكليف صهره أسعد إبراهيم بإتمام العملية وجرى رصد ٢٠ مليون استرليني كدفعة أولى للتنفيذ.

لم يكن أمام أسعد إبراهيم وعزيز عياد سوى رجل سوريا القوى عبد الحميد السراج مدير المخابرات العسكرية للقيام بالمهمة، وهكذا وجد السراج نفسه وجها لوجه أمام المؤامرة التي تجاوب معها لكشف خيوطها، وكيف أن الأميركان على الخط وطرف في العملية وستقوم الولايات المتحدة فور إعلان السراج الإنقلاب بالاعتراف به، وفي حال فشله فإن قطعة بحرية عسكرية أميركية ستقوم بنقل السراج إلى الخارج وسيتكفل الملك سعود بمرتب ثابت كبير له طوال العمر.

فرد عبد الناصر جسده المنهك فوق السرير وبدأ يستمع لمحدثه
وشرع عبد الحميد السراج في الحكي:

“الملك سعود متزوج بسيدة سورية اسمها أم خالد وأبوها اسمه أسعد إبراهيم، اتصل فيني الزلمة، قبل كم يوم عن طريق وسيط، الوسيط هو النائب عزيز عياد، قابلت أسعد إبراهيم، فبخبرني أنو ملك السعودية عم يعرض عليا ملايين الجنيهات الاسترلينية، إذا بقبل قوم بانقلاب ضد الوحدة بين سورية ومصر، أنا سايرتو، لأعرف شو في براس أسياده. وفعلا، بيبعتلي سعود دفعة قيمتها اتنين مليون جنيه استرليني، مشان يرشيني”

سكت السراج قليلا، ومدّ يده في جيب سترته الداخلي، وأخرج منه مجموعة من الأوراق، قدّمها لعبد الناصر الذي قام من فراشه وجلس أمام السراج متحفزًا، وقد ظهرت عليه الدهشة والاستغراب.

استطرد السراج مشيرًا إلى الوثائق التي أعطاها لعبد الناصر وهي صور ثلاثة شيكات من الملك سعود بعتلي ياهون الشيك الأول بمبلغ مليون جنيه استرليني، والتاني بمبلغ 700 ألف، والثالث بمبلغ 200 ألف، والشيكات مسحوبة من البنك العربي المحدود بالرياض على بنك ميدلاند بلندن وتُدفع لحاملها، وأخرج السراج تسجيل لكلام أسعد إبراهيم معه. صمت السراج وترك عبد الناصر يتفحص الشيكات، ويتثبت منها، ثم استدرك السراج موضحًا سر المئة ألف الناقصة من مبلغ المليونين: “أسعد ابراهيم مبعوث سعود خصم لإلو من أصل المليونين اللي بعتلي إياها الملك، مبلغ مية ألف، قال على اعتبارها عمولته”.

لم ينطق عبد الناصر بكلمة، بل ظل يُنصت بإهتمام إلى حديث السراج، وستكمل السراج روايته قائلا: “ومشان أسعد يشجعني أكتر، أعطاني رسالة شخصية من الملك كاتب فيها إنه أنا مثل ابنه، وهو مش رح يتخلى عنّي ورح يساندني، متل ما كان أبوه عبد العزيز يعمل مع شكري القوتلي”.

واستكمل السراج الحكاية بأن السفير الأميركي بسوريا غلى علم بالأمر وهو على استعداد تام ليعلن اعتراف بلاده بالنظام الجديد فور وقوع الانقلاب، وأن الملك يضمن اعتراف كل الدول الصديقة لأمريكا بالوضع الجديد بسورية حال نجاح الانقلاب.

لم ينتظر السراج عقب تسلمه الشيكات من أسعد إبراهيم طلوع النهار، فقد تذّكر أن جاره في السكن هو واصف كمال مدير البنك العربي في دمشق، فاستدعاه على عجل ومعه بعض المعاونين وطلب منه تحويل قيمة تلك الشيكات إلى حساب قام بفتحه في سويسرا.
في نفس اليوم كان أحد الطيارين قد سلم نفسه للمخابرات العسكرية ومعه شيك بقيمة 100 ألف استرليني تلقاها عبر أسعد إبراهيم لضرب طائرة الرئيس عبد الناصر في الجو.

في اليوم التالي وفي مؤتمر جماهيري حاشد فضح عبد الناصر مؤامرة الملك سعود، وعقد عبد الحميد السراج مؤتمرًا حكى فيه تفاصيل المؤامرة.

وقع الخبر على رؤوس آل سعود كالصاعقة، وجاءت الفضيحة كالزلزال الذي هز أركان آل سعود وهم يدركون مدى سفه وتبديد سعود للأموال الأمر الذي جعل خزانة المملكة فارغة شبه مفلسة، ولم يكن غضبهم من تدبيره للمؤامرة قدر فشله في القيام بها وتحولها لفضيحة بالأوراق والشيكات والتسجيلات الصوتية.

واجتمع الأمراء في قصر الناصرية وعلى رأسهم كبير العائلة وعميدها الأمير عبدالله بن عبد الرحمن آل سعود الذي أخذ يسأل الملك إلى أين أنت ماضٍ بالعائلة يا ابن أخي؟ ولم ينتظر إجابته بل وقف غاضبًا قائلا تأخذنا إلى الحضيض إلى جهنم وترك الجلسة غاضبًا بعدما أهان الملك وأظهر مدى تهوره وسفه تصرفاته وتبديده للأموال في مغامراته العبثية الفاشلة.

لم يقف الأمر عند هذا فقد اجتمع عدد من أمراء الفرع السديري وقرروا تجريد الملك من صلاحياته مع بقاءه في الحكم كصورة دون صلاحيات وتعيين الأمير فيصل رئيسًا للوزراء بصلاحيات الملك.

لم تكن تلك المؤامرة الوحيدة التي قام بها سعود تجاه عبد الناصر ومصر بل للحكاية بقية تستحق أن تُروى عن دوره في التآمر على الوحدة المصرية السورية والانقلاب عليها والأموال الطائلة التي بلغت 12 مليون استرليني والتي دفعها لقادة الانفصال.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

resize
الذهب يسجل ارتفاعًا طفيفًا صباح اليوم.. وعيار 21 عند هذا الرقم
IMG_6060
قمة مانشستر سيتي ونيوكاسل تتصدر المشهد.. مباريات اليوم الأربعاء
IMG-20260203-WA0138(1)
أمهات بلا أصوات.. النساء اللواتي لم يخترن الأمومة لكن عشنها حتى آخر العمر
السفير الفنزويلي
سفير كاراكاس بالقاهرة لـ "القصة": لا تصدقوا الرواية الأمريكية.. وفنزويلا تحكمها حكومة ثورية

أقرأ أيضًا

أحمد منتصر
إيران وأمريكا.. انعطافة دبلوماسية حذرة على حافة التصعيد
الشاعر السماح عبد الله
مهازل الليالي الشعرية في معرض الكتاب
47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
جزيرة المتعة الحرام.. هل كان جيفري إبستين عميلا للموساد؟!
IMG-20260109-WA0000
الفضيحة والابتزاز كآلية حكم: إبستين وشركاه