مع تزايد الضجيج على الشاشات والمنصات الرقمية، نجح برنامج “دولة التلاوة” في لفت انتباه قطاع واسع من الجمهور المصري، مستندًا إلى خطاب هادئ ولغة روحانية مختلفة عن السائد.
هذا الحضور اللافت أعاد طرح تساؤلات حول أسباب انجذاب المشاهدين إليه، وما إذا كان يعكس تحولا في اهتمامات الجمهور، أو مؤشرًا على حاجة الخريطة الإعلامية في مصر إلى إعادة تشكيل تتجاوز منطق الترفيه السريع إلى محتوى أكثر عمقا وتأثيرا.
مكانة القرآن الكريم كلمة السر
يرى الدكتور حسام النحاس، أستاذ الإعلام والخبير الإعلامي، أن الانتشار الواسع لبرنامج “دولة التلاوة” يرتبط في الأساس بالمكانة الخاصة التي يحظى بها القرآن الكريم لدى المصريين، مؤكدا أن أي محتوى يتعلق بتلاوة القرآن يضمن بطبيعته اهتماما جماهيريا واسعا.
وأضاف أن مصر عُرفت تاريخيا بأنها دولة التلاوة، حيث لعبت إذاعة القرآن الكريم دورًا محوريًا في ترسيخ هذه المكانة داخل الوعي الجمعي.
وأشار “النحاس”: النجاح اللافت للبرنامج يعود أيضَا إلى المستوى الاحترافي العالي في الإنتاج، سواء من حيث الإخراج، أو اختيار المتسابقين، أو تشكيل لجنة التحكيم، إلى جانب الحضور المؤسسي والدعم الرسمي، وهو ما منح البرنامج مصداقية وثقلا منذ حلقاته الأولى. كما لفت إلى أن اشتياق الجمهور لاكتشاف جيل جديد من القراء، وظهور مواهب من مختلف الأعمار، ساهم في تعزيز حالة التفاعل والمتابعة.
تقارب المستوى والمدارس المختلفة
وأكد أستاذ الإعلام، أن عنصر المنافسة كان أحد العوامل الأساسية في جذب المشاهدين، خاصة مع تقارب مستويات المتسابقين وجودة أصواتهم، إضافة إلى إتاحة تصويت الجمهور، ما عزز إحساس المشاركة والتأثير، كما لعبت مشاركة الأطفال دورا هاما في زيادة نسب المشاهدة، حيث تحول عدد منهم إلى شخصيات معروفة يتابع الجمهور تطورهم داخل المسابقة.
وأضاف “النحاس”: “ارتباط بعض المتسابقين بمدارس قرآنية معروفة، مثل مدرسة الشيخ المنشاوي والشيخ البهتيمي، ساهم في استدعاء ذاكرة سمعية لدى الجمهور، إلى جانب كفاءة لجنة التحكيم ووجود أسماء مؤثرة، مثل الداعية مصطفى حسني، وعدد من كبار القراء كضيوف شرف، وهو ما وسع قاعدة المتابعين، خاصة من فئة الشباب”.
كما أشار إلى أن عرض البرنامج عبر قنوات ومنصات متعددة، مصحوبا بتغطية إعلامية موسعة على المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي، ضاعف من حجم المشاهدة والتفاعل، لتتحول حلقاته إلى مادة للنقاش العام، سواء من خلال دعم متسابقين بعينهم أو طرح ملاحظات تتعلق بتقسيم الفئات العمرية، فضلا عن بعض اللفتات الإنسانية التي لاقت صدى واسعا لدى الجمهور.
تحول في ذائقة الجمهور
وحول ما إذا كان البرنامج يعكس تحولا في ذائقة الجمهور، رأى أن الجمهور لا يرفض نوعا بعينه من المحتوى، بقدر ما ينجذب إلى المنتج الإعلامي الجيد والمنفذ باحتراف. ويؤكد أن التجربة تثبت أن المحتوى المحترم، سواء كان دينيا أو فنيا أو ترفيهيا، قادر على فرض نفسه وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة.
أكد “النحاس”: “نجاح دولة التلاوة كشف عن حاجة الخريطة الإعلامية في مصر إلى إعادة النظر في أولوياتها، من حيث جودة المحتوى، وشكل البرامج، واختيار مقدميها، وآليات التخطيط والتنفيذ، مشددا على ضرورة الابتعاد عن القوالب التقليدية، وعدم الاكتفاء باستهداف جمهور مواقع التواصل الاجتماعي، لصالح رؤية إعلامية أكثر عمقا واحترافية.
استثارة مشاعة وجدانية إيجابية
فيما ترى الدكتورة بسمة سليم، أستاذة علم النفس، أن التأثير العاطفي القوي لبرنامج “دولة التلاوة” يعود إلى قدرته على استثارة مشاعر وجدانية إيجابية لدى المشاهدين، مرتبطة بذكريات الطفولة والمرحلة التي ارتبط فيها الاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم بالإحساس بالأمان والطمأنينة، موضحةً أن هذه الذكريات تستدعى تلقائيا في الوعي الجمعي مع سماع القراءات العطرة، بما يعيد شعورا داخليا بالسكينة.
وأشارت إلى أن الإيقاع البطيء للتلاوة يتيح حالة من التأمل الواعي، تسهم في إخراج الفرد من دائرة الضغوط النفسية اليومية. وتستشهد في هذا السياق بعالم النفس فيكتور فرانكل، الذي يرى أن الإنسان يسعى إلى المعنى أكثر من سعيه إلى المتعة، معتبرة أن المعنى الروحي المتجسد في تلاوة الآيات بهذا الأداء الإبداعي يلبي هذا الاحتياج النفسي العميق.
التلاوة تؤثر على الجهاز العصبي وتهدىء ضربات القلب
وأوضحت “بسمة” لـ “القصة”: أن التلاوة تؤثر مباشرة على الجهاز العصبي الباراسمبثاوي المسؤول عن الاسترخاء، ما يؤدي إلى تهدئة ضربات القلب وتقليل التوتر العضلي.
وأضافت أن الاستماع الجماعي للآيات يخلق حالة من التناغم الانفعالي بين الأفراد، وكأن الجميع على “موجة واحدة”، وهو ما يعزز الشعور بالطمأنينة الجماعية. كما يلعب الإنشاد الديني دورا مكملا في تخفيف الضغوط النفسية.
وحول الإقبال المتزايد على البرنامج، ترى أستاذة علم النفس أنه يمثل نوعا من الهروب النفسي الصحي من الضغوط السياسية والإعلامية المتواصلة، مؤكدة أن هذا النوع من المحتوى يسهم في خفض مستويات التوتر، ويبتعد عن أنماط البرامج غير الهادفة أو الضجيج المربك لمواقع التواصل الاجتماعي، بما يساعد على توسيع المدارك وتعزيز التوازن النفسي.
كما أكدت الدكتورة بسمة سليم، على أن برنامج “دولة التلاوة” يعيد للفرد إيقاعه الداخلي المتزن في إطار صحي ومحترم، مشددة على أن الجانب الروحي يظل العنصر الأهم في هذه التجربة. كما أعربت عن أملها في أن يكون الأطفال والشباب المشاركون في البرنامج قدوة لغيرهم، معتبرة ظهورهم مؤشرا إيجابيا على أن الأجيال الجديدة لا تزال تحمل قدرا كبيرا من القيم، وأن إتاحة الفرصة لهم للظهور تمثل خطوة محمودة في المشهد الإعلامي.
التدين لدى المصريين يميل إلى البساطة والوسطية
ومن جانب اجتماعي، ترى الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، أن انجذاب الجمهور المصري للبرامج الدينية، ومن بينها برنامج “دولة التلاوة”، لا يعد ظاهرة جديدة أو طارئة، بل يرتبط بطبيعة المجتمع المصري ذاته، الذي يتسم بحضور ديني وإنساني عميق في تفاصيل حياته اليومية.
وأوضحت لـ”القصة” أن التدين لدى المصريين يميل إلى البساطة والوسطية، ويظهر في السلوك اليومي والدعاء العفوي والارتباط الروحي، بغض النظر عن المستوى الاجتماعي أو التعليمي.
وأشارت إلى أن تصاعد الاهتمام بهذا النوع من البرامج في الفترة الأخيرة يتأثر بالسياق الإقليمي المضطرب، وما يشهده المحيط العربي من أزمات وصراعات، وهو ما ينعكس نفسيا واجتماعيا على المواطن المصري، ويدفعه للبحث عن محتوى يمنحه قدرا من الطمأنينة والاحتواء، ويعزز الإحساس بالتماسك المجتمعي.
وأكدت أن البرامج الدينية الهادئة، مثل “دولة التلاوة”، تلبي هذا الاحتياج دون افتعال أو خطاب صدامي، حيث تعتمد على مضمون بسيط ولغة روحانية قريبة من الناس، ما يسهم في تعزيز الشعور بالأمان والانتماء، ويعيد التأكيد على القيم المشتركة داخل المجتمع.
وفيما يتعلق بتأثير هذا النوع من المحتوى على الشباب، ترى خضر أن الخطاب الديني في حد ذاته ليس جديدا، لكنه يصبح أكثر جذبا حين يقدّم بشكل سهل وغير معقد، بعيدا عن الوعظ المباشر، وهو ما يساعد على إعادة ربط الأجيال الجديدة بالقيم الدينية والاجتماعية بصورة طبيعية.
ولفتت “خضر”، إلى أن الإعلام الديني المعاصر قادر على لعب دور مؤثر في تشكيل الوعي الجمعي، من خلال ترسيخ قيم التكافل، والرحمة، واحترام الآخر، والالتزام بالسلوكيات الأخلاقية في الحياة اليومية، مشددة على أن المجتمع المصري تاريخيا قائم على الوسطية والهدوء، وأن هذا النوع من البرامج يعكس جانبا أصيلا من هويته الثقافية والاجتماعية.
ترتيب الأولويات في المجال العام الفريضة الغائبة
ومن جهة أخرى، يرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إلى أن النجاح الجماهيري لبرنامج “دولة التلاوة” يطرح تساؤلات أوسع تتعلق بتوازن الأولويات داخل المجال العام، معتبرا أن تصاعد الجرعة الدينية في الإعلام المصري يأتي في مقابل تراجع الاهتمام بالعلم والتعليم والبحث العلمي.
وأكد “صادق” أن المشكلة لا تكمن في التلاوة أو البرامج الدينية في حد ذاتها، مشددا على أن للقرآن الكريم ومصر تحديدا مكانة راسخة في عالم التلاوة، إلا أن الإشكالية تظهر بحسب رأيه حين تتحول هذه البرامج إلى محور اهتمام أساسي على حساب قضايا أكثر إلحاحا، مثل تطوير التعليم، وتحسين السلوك المجتمعي، وترسيخ قيم العمل والإتقان.
وحذر “صادق”: توظيف الخطاب الديني بشكل مفرط في المجال الإعلامي، معتبرا أن التركيز على المظاهر الدينية دون مضمون أخلاقي وسلوكي واضح قد يؤدي إلى حالة من “التدين الشكلي”، مشيرا إلى أن التلاوة وحدها لا تضمن بالضرورة التزاما بالقيم الدينية الحقيقية، مثل الأمانة، واحترام القانون، وإتقان العمل.
وأضاف “صادق”: بعض المجتمعات قد تلجأ إلى تكثيف الخطاب الديني كوسيلة لتخفيف الاحتقان الناتج عن الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، معتبرًا أن هذا التوجه قد يتحول إلى نوع من التخدير المؤقت للرأي العام بدلا من مواجهة المشكلات الأساسية بشكل مباشر.
وأكد الدكتور سعيد صادق على أهمية تحقيق توازن حقيقي بين الاهتمام بالمحتوى الديني، ودعم قضايا العلم والتنمية وحقوق الإنسان، مشددا على أن بناء مجتمع متماسك لا يتحقق فقط عبر الخطاب الروحي، بل من خلال سياسات تعليمية وتنموية واضحة تعزز الوعي والسلوك الإيجابي لدى المواطنين.