قبل نحو 5 قرون، وقف العالم الإيطالي جاليليو جاليلي على حافة تاريخ جديد للبشرية، واضعًا أولى لبنات العلم الحديث، في زمن كانت فيه المعرفة خاضعة لسلطة الكنيسة والتفسيرات الموروثة عن الفلاسفة القدماء. لم يكن جاليليو مجرد عالم فلك، بل ثائرًا فكريًا غيّر الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الكون ومكانه فيه.
جاليليو يضع أول أحجار العلم الحديث
في عام 1609، طوّر جاليليو التليسكوب وحوّله من أداة بدائية إلى وسيلة علمية دقيقة للمراقبة الفلكية. ومن خلال عدساته، اكتشف جبال القمر، وأقمار كوكب المشتري، وبقع الشمس، وأطوار كوكب الزهرة. هذه الاكتشافات البسيطة في ظاهرها كانت صادمة في جوهرها، إذ نسفت فكرة أن الأرض مركز الكون، وأكدت صحة نموذج كوبرنيكوس القائل بدوران الأرض حول الشمس.
لكن العلم لم يكن وحده في ساحة الصراع. فقد اصطدمت أفكار جاليليو بالمؤسسة الدينية التي رأت في استنتاجاته تهديدًا مباشرًا لتفسيراتها اللاهوتية. وفي عام 1633، مثل جاليليو أمام محاكم التفتيش، وأُجبر على التراجع العلني عن آرائه، ليقضي ما تبقى من حياته تحت الإقامة الجبرية. ورغم ذلك، لم تتراجع أفكاره، بل انتشرت بهدوء، لتصبح أساسًا لنهضة علمية كبرى.
أهمية جاليليو لا تكمن فقط في اكتشافاته، بل في منهجه العلمي القائم على الملاحظة والتجربة والقياس، بدلًا من التسليم بالسلطة أو النصوص القديمة. بهذا المنهج، فتح الباب أمام علماء مثل نيوتن وكبلر، وأسهم في تحرير العقل الإنساني من القيود الفكرية.
اليوم، وبعد مرور 5 قرون، يُنظر إلى جاليليو باعتباره رمزًا للشجاعة العلمية، ودليلًا على أن التقدم يبدأ بسؤال بسيط: ماذا لو كانت الحقيقة مختلفة عمّا نعتقد؟