في جولة سريعة في المتاجر والأسواق المصرية باختلاف الفئات والطبقات، مع بداية 2026، يبدو أن ورقة الـ 100جنيه مصري تواجه أزمة حرجة بين يدي المواطن من الفئة الأكثر احتياجًا أو حتى الفئة المتوسطة، فتلك الورقة لم تعد قادرة على الاستقرار في منطقة الآمان، فاصبحت كمصروف يومي لطالب جامعي يتضمن وجبة خفيفة ليس إلا، وعلى الجانب الآخر هناك أُسر بالكاد تصمد حتى نهاية الشهر بقلة من أوراق بـ 100 جنيه.
لماذا لا نشعر بالتحسن على رغم التراجع؟
أشارت التقارير في مطلع 2026 إلى تراجع التضخم، على المستوى المحلي والعالمي، وذلك بفضل المرونة الاقتصادية واستقرار أسعار الطاقة، وعلاوة على ذلك ترقب المواطن تراجعا بسيطا في الأسعار أو في تكاليف الخدامات العامة، إلا أن الخبراء الاقتصاديين أجمعوا على أن تراجع التضخم لا يعني في كل الأحوال انخفاض الأسعار، فالزيادة في مؤشر الخدمات الحكومية، وتكاليف النقل والتعبئة، والتبريد بالمتاجر، وفواتير الخدمات الرسوم، كل ذلك يتحكم في الأسعار فالمواطن هو من يتكلف بدفع تلك الاعباء.
وفي سياق متصل، كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء في ديسمبر 2025 عن مفارقة حادة؛ إذ تراجع معدل التضخم السنوي إلى 10.3%، مقارنة بـ 23.4% في ديسمبر 2024. وعليه شرح لنا الباحث الاقتصادي وائل النحاس، أنه رغم هذا الانخفاض الرقمي “على الورق”، فإن هذا التراجع لم يجد طريقه إلى جيب المواطن المنهك، الذي ما زال يعاني من آثار موجات الغلاء المتراكمة. فالتراجع في معدل “نمو الأسعار” لا يعني انخفاض الأسعار نفسها، وهو ما جعل محافظ المواطنين تظل في حالة استنزاف مستمر.
الـ 100 جنيه من “مصروف يومي” إلى “فكة”
ومن بين أكشاك الناصية والمتاجر الصغيرة التي تمثل نبض الشارع المصري، تبرز ظاهرة اقتصادية واجتماعية لافتة، إذ لم تعد ورقة الـ 100 جنيه تمثل ذلك “العصب” القوي للميزانية اليومية كما كانت في السابق. وبدلاً من ذلك، باتت عبارة “هي الـ 100 جنيه هتجيب إيه؟.. ولا حاجة” هي الرد الجاهز والأكثر شيوعاً على ألسنة المواطنين، لتتحول كلمة “ولا حاجة” في حد ذاتها إلى وصف لسلعة لا تشبع جوعاً ولا تلبي احتياجاً.
من “مبلغ” إلى “باقي فكة”
وبناءً على ذلك، رصدت الإجابات كيفية تغير ثقافة التعامل مع هذه الـ 100 جنيه؛ حيث باتت تُعامل معاملة “الفكة” لدى بعض الفئات، بينما يُترك الباقي منها – سواء كان عشرات أو عشرينات – كنوع من “البقشيش” الإجباري أو الاختياري للبائع. وفي كثير من الأحيان، يضطر المواطن لاستبدال ما تبقى منها بسلع لم تكن ضمن خطته الشرائية، مثل المناديل أو اللبان أو بسكويت الشاي البسيط، فقط لتجنب عناء البحث عن فكة.
وفي سياق متصل، وعند طرح سؤال عشوائي على فئات متنوعة حول القوة الشرائية للـ 100 جنيه اليوم، جاءت النتائج صادمة؛ إذ أجمع الكثيرون على أنها لا تكفي حتى لتغطية “رفاهية بسيطة”. فمتوسط سعر “الحاجة الحلوة” للفرد الواحد بات يتراوح بين 25 و50 جنيهاً.
وكذلك ذكر قطاع كبير من الشباب، أن الاعتماد على “الأوردرات” أو الوجبات الجاهزة أصبح مستحيلاً بهذا المبلغ؛ فأقل سعر لوجبة فردية (حجم صغير) في المتاجر المتوسطة يبدأ من 70 جنيهاً. وإذا ما أضفنا تكاليف “الدليفري” التي تتأرجح ما بين 30 إلى 50 جنيهًا، يجد المواطن نفسه مطالباً بدفع أكثر من 100 جنيه لمجرد الحصول على وجبة متواضعة جداً لفرد واحد.
ومن جانبه أفاد وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن تراجع القوة الشرائية ليست فقط مشكلة محلية، بل عالمية، ومن أبرز أسبابها، استقرار الأسعار عند مستويات مرتفعة نتيجة الأزمات الاقتصادية العالمية، وبتراجع التضخم، برزت الفجوة بين دخل المواطن وتكلفة المعيشة على الصعير المحلي والدولي.
ويختم النحاس تعليقه، بأن الفجوة التي خلقت بين التقارير الاقتصادية، وواقع “أكشاك” لا تزال تتسع. لتبقى الـ 100 جنيه مجرد ذكرى لبعض الفئات التي كانت يوماً ما تكفيها ليوم كامل، قبل أن تصبح اليوم مجرد عبور سريع أو تسلية يومية لا تكتب في ميزانية الشهر، ولا تترك أثراً في حقيبته الشرائية.