25 يناير كانت بمثابة صديقة جعلتني أنضج لعشرات السنوات، في حين أن العمر الحقيقي لهذه الطفلة لا يتخطى العشر سنوات.
في مساء يوم لا يعمه سوى النضال والحرية، حكى أبي بكلمات وصلت إلى قلبي قبل أذني، قائلًا:
«سيأتي اليوم الذي ستفخرين به يا ابنتي أنك شاركتِ وجئتِ إلى هنا، وسيكتب التاريخ هذه اللحظة، لذلك عيشيها، وافهمي، وانظري إلى الناس.. هل ترين كم هم كثيرون؟ هيا تعالي، سأحملكِ على كتفيّ لكي تري بوضوح».
هكذا كان كلام أبي في هذا اليوم، أول يوم يصاحبني فيه إلى الميدان. لم يكن أبي مهتمًا بالمشاركة والنزول بمفرده فقط، بل كان مهتمًا جدًا بأن نكون نحن أيضًا مشاركين وموجودين في الميدان.
القصة بدأت قبل يوم 25 يناير، منذ بداية الاعتصام وبدء الحشد في الميدان، وكان التليفزيون المصري ينقل الأحداث، ونحن نتابع ونفهم ما يحدث. وحينما كان يحدث شيء غير واضح بالنسبة لي، كنت أسأل، وكانت نقطة القوة هي وجود شخص واعٍ ومدرك لما يفعل؛ لذلك كنا نفهم كل شيء، حتى ونحن صغار، كنا كبارًا.
رافقنا الخيام، وعشنا داخلها، وجلسنا على الأرض، وشاركنا في أكلة واحدة وطبق واحد. مسلم ومسيحي كانوا يدًا واحدة، نهتف معًا، وإذا هتف أحد نهتف خلفه من القلب، مهتمين بألا نغادر الميدان.
كنا نريد أن نظل موجودين. الناس الذين استمروا في الاعتصام لم يكونوا أفضل منا في شيء؛ غني وفقير، لم نكن نشعر أن هناك فرقًا، وكأننا جميعًا اجتمعنا لنعرف أننا في النهاية متساوون على هذه الأرض.
أتذكر كل لحظة وقتها وكأنها حدثت اليوم، لا توجد ذكرى واحدة نسيتها، شريط فيلم يعمل أمامي رغم السنين التي مرت، لكن الحدث العظيم بالنسبة لطفلة وقتها ما زال يعيش معي حتى الآن.
الحدوتة لم تنتهِ هنا. خلال أحداث الثورة، قالوا إن السجون فُتحت والمجرمين هربوا. عشت رعبًا كان كبيرًا على طفلة في هذا السن تحديدًا. قبل كل ذلك، كنت أشعر بالخوف، وأستشعر أن الدنيا تكتسي باللون الأسود فقط.
لكنني رأيت مشهدًا مصريًا عظيمًا من بيوتنا وبيوت أجدادنا؛ الناس الذين يعيشون في منطقة واحدة بدأوا يتجمعون ليحموا أهلهم وجيرانهم، ويسهروا في الشوارع حتى الصباح، من أجل حماية بيوتهم والحفاظ على من حولهم. وقتها شعرت بالأمان، رغم أنه لم يكن موجودًا
يومٌ من مذكّرات طفلة.
حين أدركتُ إصابة أبي يوم «جمعة الغضب» 28 يناير. في هذا اليوم تحديدًا لم أكن معه، لكنني كنت أتابع التليفزيون وأشاهد ما يحدث، إلى أن رأيت مشاهد كأنها أفلام أكشن وحروب، لكنها كانت في الميدان: جمال وأحصنة، وأناس يركبون الخيول ويعتدون على المعتصمين، وناس يموتون، وآخرون يُصابون، وغيرهم يفرّون، وكأنه مشهد سينمائي لم يستغرق سوى ساعات.
قلقت، وبدأت أصرخ: أين أنت؟ لا أراك. يا رب يكون خيرًا، ويعود أبي سالمًا.
لحظة الالتقاء.
حلّ الليل، وبنظرة صامتة رأيت أبي قادمًا، مصابًا في وجهه آثار طلق خرطوش، وقد كتب الله له عمرًا جديدًا. بقدر ما كنت حزينة، بقدر ما كنت فخورة به؛ لأنه بطل، وكان يدافع عن وطنه، غير مكترث بحياته في سبيل الوطن والأرض والعِرض.
حتى في تلك اللحظات، كنت أحب وجودي، فخورة بنفسي، فرِحة، رغم أن الفرح لم يكن ملازمًا لأحد في ذلك الوقت. لكنها طفلة تشعر أنها شاركت في حدث عظيم، ما زالت تتذكره حتى الآن.
الجيش وقتها لم يكن في موقع يسمح له بدخول الميدان، وكان في ذلك الوقت مثل الشعب، في صفّه، لا يتركه. ورغم كثرة الأحداث، فإن وجوده في الشارع كان يمنح إحساسًا بالأمان.
قررت أن أسجّل مذكّراتي وأدوّنها، حتى إذا كبرت أتذكرها. كتبتها في كراسة آنذاك، أشبه بمجلة، فيها صور وتعليقات عن الثورة والشهداء، وسلّمتها للمدرسة. حينها انزعجت المدرسة مما فعلت، وتعجّبت: كيف لطفلة أن تفعل شيئًا كهذا؟ ولماذا تهتم أصلًا بهذه الأمور وهي ما زالت صغيرة؟
لكن الحقيقة أنني كبرت كثيرًا في ذلك الوقت. وكانت مدرستي تُسمّى «مبارك» على اسم الرئيس حسني مبارك، فبدأت أمسح الاسم من كل مكان، وأكتب أسماء الشهداء بدلًا منه، وأتحدث إلى أصدقائي في الفصل، وأحثّهم على أن يفعلوا الشيء نفسه، وأن يفهموا ما يحدث

أتذكر لما كنت أجمع صغار العائلة متقمصة دور المذيعة وهم الجمهور في الميدان وأسمعهم وأصورهم واهتف معهم في دور المذيعه التي تسمع الجمهور.

الثورة، وتلك الفترة تحديدًا، تعني لي الكثير. أيًّا كان ما حدث، فقد عشتني وكبّرتني، وعرّفتني معنى الوطن، ومعنى أن نكون جميعًا واحدًا، ومعنى أن نأكل ونشرب جميعًا بلا فرق. جمعتنا أرض واحدة، وسنظل نعيش ونموت من أجلها ولها.
علّمتني معنى الحنين والحب والتضحية، حين رأيت أبي يجري بي عندما علم أنني كنت في مكان وقع فيه انفجار، وكنا بالقرب منه. مع العلم أن ما حدث كان انفجار أنبوبة غاز، لكنه من خوفه عليّ ركض معتقدًا أن الشرطة هاجمت المكان وستطلق النار، وأنني معه.
علّمتني كذلك معنى أن أستيقظ من النوم فأحمد الله أننا عائلة واحدة، معًا، وأن وطننا وشعبنا لا يقبلان بالظلم. حتى لحظة التنحي التي عشناها وسط الشعب في الشارع، لا أعتقد أن تلك اللحظة كان يمكن أن تُعاش إلا معهم.