ربما سمعت عن ثورة 25 يناير في جملة عابرة، أو في فيديو ساخر، أو في نقاش ينتهي دائمًا بجملة: “كله كان وهم”، وربما لم تشعر أن الأمر يخصك أصلًا.
لكن الحقيقة أن ما جرى في مصر عام 2011 ليس فصلًا قديمًا يمكن تجاهله، بل قصة لها علاقة مباشرة بحياتك اليوم، وبالأسئلة التي تسألها عن المستقبل، والفرص، والحرية، ومعنى الوطن.
في يناير 2011، لم يكن الناس أبطالًا أفلام، ولم يخرجوا بحثًا عن فوضى أو “تريند”. كانوا أناسًا عاديين جدًا: طلبة، موظفين، أصحاب معاشات، عاطلين، عمّال، مهنيين، وبنات وأولاد في عمرك الآن تقريبًا.
خرجوا لأن الحياة كانت تضيق عليهم، ولأن الإحساس بالظلم صار يوميًا، ولأن فكرة «مافيش أمل» تحولت إلى عبء لا يُحتمل.
لم تبدأ الثورة بشعارات كبيرة، بل بمطالب بسيطة: أن نعيش بكرامة، وأن نُعامَل كبشر، وأن نشارك في تقرير مصيرنا. شعار “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” لم يكن كلمات محفوظة، بل تلخيصًا لحياة كاملة من الحرمان والتهميش.
في الميادين، دفع الناس ثمنًا حقيقيًا: دماء، إصابات، اعتقالات، وأعمار توقفت فجأة. لم يكن أحد يعرف كيف سينتهي المشهد، لكن كثيرين قرروا أن الخوف لم يعد خيارًا.
ثم سقط رأس النظام، وهنا يعتقد البعض أن “القصة خلصت”. لكنها في الحقيقة كانت قد بدأت للتو.
ما لم يكن واضحًا وقتها هو أن الثورة لم تكن تواجه نظامًا واحدًا فقط، بل شبكة كاملة من المصالح، والخوف، والدولة العميقة، والاستقطاب، وسوء الإدارة. ومع غياب قيادة موحدة، دخلت الثورة مرحلة إنهاك بطيء.
بدأ تشتيت الانتباه: خلافات سياسية حادة، صراعات أيديولوجية، تخويف الناس من الحراك والمطالب، وتحميل الثورة نفسها مسؤولية كل الأزمات.
تم تطويق الثورة خطوة خطوة. ليس بالدبابات فقط، بل بالطعن فيها وإطلاق الشائعات عليها وعلى أبناءها.
قيل للناس إن ما حدث لم يكن ثورة بل «مؤامرة»، وإن المطالب كانت “غير واقعية”، وإن الحرية ترف لا يناسب بلدًا فقيرًا. شيئًا فشيئًا، تحوّل الثوار من أبطال إلى متهمين، ومن ضحايا إلى سبب للبلاء، شُوِّهت صورهم، وسُخِر منهم، ووُصِفوا بالعمالة أو السذاجة أو الخيانة، وأصبح جزء غير قليل منهم من سكان الزنازين.
قد لا تكونوا شاهدتم الميادين ممتلئة، لكنكم ورثتم نتائج هذه المرحلة: خوفًا من السياسة، تشكيكًا في أي فكرة تغيير، وإحساسًا عامًا بأن الكلام لا يغيّر شيئًا. وهذا بالضبط أحد أخطر آثار ما حدث: ليس فقط إجهاض مطالب الثورة، بل ضرب الثقة في الفعل العام نفسه.
لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا هي أن الثورة، رغم كل ما جرى، غيّرت شيئًا عميقًا. غيّرت وعي الناس، وكسرت فكرة “مفيش بديل”، وأثبتت أن الشارع يمكن أن يتحرك، وأن الخوف ليس قدرًا أبديًا. حتى محاولات التشويه المستمرة هي اعتراف غير مباشر بخطورة ما حدث.
لم تكن الثورة كاملة، ولم يكن ثوارها ملائكة، لكنها كانت محاولة صادقة لاستعادة حق مسلوب. وفهمها اليوم لا يعني تكرارها حرفيًا، ولا تمجيدها بلا نقد، بل فهم كيف تُجهَض الأحلام الكبيرة، وكيف تُدار المعركة على الوعي قبل الشارع.
هذه القصة ليست دعوة للنزول، ولا درسًا في الحنين، بل محاولة لفهم لماذا نحن هنا الآن.
لأن من لا يعرف كيف أُغلِقت الأبواب من قبل، سيظن أنها لم تُفتح أصلًا.