لم نخرج في يناير بحثًا عن معركة هوية، ولا صراعًا عقائديًا، ولا صفقة سلطة.
خرجنا لأن فكرة الدولة نفسها كانت تتآكل: قانون لا يُحترم، وعدالة انتقائية، ومواطن يُدار لا يُمثَّل.
كنا نعتقد بسذاجة نبيلة أن سقوط الاستبداد سيفتح الباب تلقائيًا لدولة حديثة، وأن من يقف في طريقها سيكون عابرًا أو قابلًا للتجاوز.
لكن ما لم ننتبهِ له وقتها أن يناير لم تواجه خصمًا واحدًا، بل منظومتين كاملتين؛ منظومة تُجيد السيطرة باسم الدين، وأخرى تُتقن البقاء باسم الدولة. الأولى كانت تملك التنظيم والخطاب العاطفي والقدرة على الحشد، والثانية كانت تملك المؤسسات والملفات والصبر الطويل. وبينهما وقف الثوار عُزّلًا إلا من النية الحسنة.
الإسلاميون لم يروا في يناير ثورة على الاستبداد، بل فرصة للتمكين. لم يتعاملوا معها كمسار لبناء دولة، بل كغنيمة سياسية. اختزلوا المجال العام في صندوق، واختزلوا الوطن في جماعة، وتصوروا أن الشرعية رقم يُحصَّل لا عقدًا يُصان. وعندما اصطدمت أحلامهم بواقع الحكم، انكشفت هشاشة تصورهم للدولة والمواطنة.
أما الدولة العميقة، فلم تكن في عجلة من أمرها. تركت المشهد يتعقّد، وتركت الصراعات تتضخّم، وراقبت من بعيد كيف يتعب الجميع. لم تدخل المعركة بشعارات، بل بالوقت. فهي تعرف أن الثورات تُرهق أصحابها، وأن الفوضى، مهما كانت نبيلة البدايات، تخلق حنينًا للقبضة لا للنقاش.
الخطأ الأكبر لم يكن في مواجهة الإسلاميين أو في الصدام مع الدولة العميقة، بل في الاعتقاد أننا نستطيع مواجهة الاثنين معًا بلا تنظيم سياسي حقيقي، ولا رؤية مشتركة، ولا أدوات مستدامة. نزلنا إلى الشارع بقلوب مفتوحة، بينما السياسة لا تُدار بالقلوب وحدها. السياسة تُدار بالعقل، وبالتراكم، وبالقدرة على تحويل الغضب إلى مشروع.
يناير لم تفشل لأنها حلمت، بل لأن الحلم تُرك وحيدًا. تُرك بلا حراسة فكرية، وبلا ظهير اجتماعي منظم، وبلا نخبة قادرة على الاختلاف دون انقسام. وعندما اشتدت العاصفة، وجدنا أنفسنا محاصرين: إما دولة بلا حرية، أو حرية بلا دولة.
في ذكرى يناير، لا يبقى من الثورة إلا سؤال واحد، يرفض أن يُدفن مع الشعارات ولا يهدأ مع مرور الوقت:
هل كانت المشكلة في يناير نفسها، أم فينا نحن الذين لم نعرف كيف نحمي الحلم من الإسلاميين، ولا كيف ننتزعه من قبضة الدولة العميقة؟