في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتزايد فيه حدة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، فجرت تقارير إعلامية معارضة تساؤلات واسعة حول مصير المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، بعد الحديث عن نقله إلى موقع سري شديد التحصين تحت الأرض، وسط أنباء عن إدارة نجله لبعض شؤون الحكم، ما فتح الباب أمام سؤال مركزي: هل اختفى المرشد؟ وهل انتقل القرار الحقيقي داخل النظام الإيراني من الفرد إلى المؤسسة؟
تقارير عن “الاختفاء” و ملاجئ تحت الأرض
وسائل إعلام معارضة للنظام الإيراني، من بينها قنوات تبث من الخارج، زعمت أن المرشد الأعلى نقل إلى منشأة محصنة داخل طهران، تضم شبكة أنفاق، على خلفية مخاوف من ضربة عسكرية أمريكية محتملة، خاصة مع إلغاء بعض الظهورات العلنية، ما اعتبره مراقبون مؤشراً على حالة استنفار غير مسبوقة داخل دوائر الحكم الإيرانية.
غير أن هذه الروايات، رغم انتشارها، اصطدمت بتقديرات وتحليلات خبراء أكدوا أن المشهد أكثر تعقيداً، ولا يمكن فصله عن الحرب النفسية المتبادلة بين واشنطن وطهران.
المرشد لم يختفِ.. لكنه مستهدف
في هذا السياق، قال د. مختار غباشي المحلل السياسي، إن الحديث عن “اختفاء” المرشد الإيراني غير دقيق، مؤكدًا أن خامنئي لم يختف عن إدارة الدولة، و إنما يقيم في مكان يتمتع بدرجة عالية من السرية، إدراكاً منه لحجم التهديدات المباشرة التي تستهدفه.
وأوضح غباشي لـ”القصة” أن المرشد الأعلى هو الحاكم الفعلي للسياسة والحكم في إيران، وأن رئيس الجمهورية أو الوزراء لا يخرجون عن إطار تعليماته، مشدداً على أن خامنئي يظل صاحب القرار الأعلى داخل الدولة الإيرانية دون منازع.
و أضاف أن إحاطة تحركات المرشد بقدر كبير من السرية أمر طبيعي، خاصة في ظل تصريحات علنية سابقة من الولايات المتحدة وإسرائيل تتحدث عن استهداف القيادة الإيرانية، معتبرًا أن ذلك لا يعني غيابه عن المشهد بقدر ما يعكس إجراءات أمنية مشددة.
هل انتقل القرار من المرشد إلى مؤسسة؟
وعن التساؤلات المتعلقة بانتقال مركز القرار داخل النظام الإيراني، نفى غباشي هذا الطرح، مؤكدًا أنه لا يمكن القول إن القرار الحقيقي انتقل من المرشد إلى مؤسسة أو رئاسة أو دائرة ضيقة.
وأشار إلى أن الرئيس الإيراني ووزارة الخارجية ووزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة الحرس الثوري وقوة القدس، يظهرون بكثافة في المشهد الإعلامي ويتحملون عبء التصريحات والتواصل السياسي والعسكري، إلا أن ذلك يتم في إطار تفويض وثقة من المرشد، وليس بديلاً عن سلطته.
وشدد على أن المرشد الأعلى يظل الكلمة الأولى والأخيرة في رسم السياسات الكبرى، وأن ما يظهر من تنوع في مراكز الحديث لا يعكس تعددا في مراكز القرار بقدر ما يعكس آلية إدارة المشهد في دولة تعيش تحت ضغط دولي مستمر.
انتقال احترازي ومؤشر لمواجهة
من جانبه، قال اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن نقل المرشد الإيراني – حال صحته – يحمل دلالتين في آن واحد، الأولى أنه إجراء احترازي طبيعي في ظل تصاعد التهديدات، والثانية أنه مؤشر على اقتراب مواجهة عسكرية محتملة.
وأكد اللواء سمير فرج لـ”القصة” أن الولايات المتحدة وإيران تخوضان حاليًا حرباً نفسية مفتوحة، يسعى فيها كل طرف إلى الضغط على الآخر دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة شاملة.
التقدير العسكري.. واشنطن تضغط ولا تريد الحرب
وفي التقدير العسكري، أوضح أن واشنطن ليست جادة حتى الآن في توجيه ضربة عسكرية مباشرة لإيران، معتبرًا أن التهديدات الأمريكية تهدف بالأساس إلى إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة.
و أضاف أن التحركات الأمريكية الأخيرة، سواء العسكرية أو السياسية، تندرج ضمن استراتيجية الضغط القصوى، وليس بالضرورة التمهيد لحرب وشيكة، رغم خطورة الأوضاع واحتمالات الانزلاق غير المحسوب.
إيران تحت حكم الطوارئ
وحول إدارة الدولة الإيرانية في هذه المرحلة، أكد اللواء سمير فرج أن إيران تدار حاليًا بالفعل بمنطق حكم الطوارئ، مشيرًا إلى أن دولة بحجم إيران، تعيش تحت تهديد مستمر بضربة عسكرية، لا بد أن تكون في حالة استعداد دائم.
وأوضح أن رفع درجة الاستعداد الأمني والعسكري، وتأمين القيادات، وتقييد بعض التحركات، كلها إجراءات طبيعية لدولة تتوقع في أي لحظة أن تكون هدفا لعمل عسكري.
بين الشائعات والواقع
بين روايات تتحدث عن اختفاء المرشد، وتحليلات تؤكد استمراره في الحكم من خلف ستار أمني مشدد، يبقى المشهد الإيراني محكوماً بثابت أساسي: المرشد الأعلى لا يزال مركز القرار الأول في الدولة، حتى وإن غاب عن الظهور العلني.
أما الحديث عن انتقال السلطة أو إدارة الدولة من قِبل أطراف بديلة، فيظل – وفق تقديرات الخبراء – جزءًا من معركة نفسية وإعلامية، تعكس حجم الصراع الإقليمي والدولي المحيط بإيران، أكثر مما تعكس تغيرا حقيقياً في بنية الحكم داخلها.