في اللحظة التي أعلن فيها الجيش الإسرائيلي استعادة رفات آخر رهينة في قطاع غزة، لم يكن بنيامين نتنياهو يسأل: «وماذا بعد الحرب؟».
كان يسأل: «كيف أحوّل هذه النهاية الرمزية إلى بداية سياسية جديدة؟».
لغة خطابه لم تكن احتفالية، بل كانت عملية جراحية في وعي الجمهور العربي والإسرائيلي: تحويل الفشل إلى إنجاز وانتصار… وتحويل عبء الرهائن إلى ورقة تحرر.
جملته: «أعدنا الجميع… حتى آخر رهينة» لم تكن خبرًا، بل ختم سياسي. وعندما نزع دبوس الرهائن أمام الكاميرات، لم يكن يزيح قطعة معدن من سترته… بل نزع آخر ورقة ضغط عليه.
من الفشل إلى الإنجاز!
بالنسبة لنتنياهو، ورقة الرهائن كانت الثغرة الوحيدة التي تهدد شرعية الحرب داخليًا.
وباستعادة الرهائن — أحياء أو قتلى — سقطت آخر الذرائع التي تمنع الداخل من السؤال:
إلى أين تتجه إسرائيل؟ وإلى أين تتجه المنطقة؟
الخطاب أصبح أداة سياسية قبل أن يكون عسكريًا، يمنح الحرب الحق في الاستمرار، ويمنع الاعتراف بانتهائها.
ساحة جديدة؟!
انتهاء ملف الرهائن منح نتنياهو ثلاثة مكاسب استراتيجية:
1. تحريره من ضغط الأهالي والمعارضة.
2. إعادة توحيد اليمين الإسرائيلي حوله.
3. منع أي نقاش داخلي حول “اليوم التالي” في غزة.
المرحلة الثانية للاتفاق الدولي كانت تعني:
فتح معبر رفح، دخول مساعدات، ترتيبات إعادة إعمار غزة، انسحاب إسرائيلي نسبي.
لكن نتنياهو أعاد تعريف كل ذلك بجملة واحدة:
«المرحلة المقبلة ليست إعمارًا… بل نزع سلاح حماس»
إعادة الإعمار تعني نهاية الحرب، بينما نزع السلاح بالنسبة له تعني استمرارها… وربما بلا أفق سياسي واضح.
ما وراء التوقيت؟
الخطاب جاء بعد:
• انتهاء ورقة الرهائن
• ضغط دولي لفتح معبر رفح
• حديث عن “اليوم التالي”
• أزمة داخلية في الائتلاف الحكومي
• إحراج المؤسسة العسكرية
• تحضيرات دولية لاتفاق أوسع
لكن نتنياهو ضرب بكل ذلك عرض الحائط، قلب الطاولة بهدوء.
قلب الطاولة!
الاتفاق كان واضحًا: رهائن مقابل وقف إطلاق النار ومسار سياسي واضح.
لكن نتنياهو كالعادة تلاعب بكل شيء، وحوّل المعادلة عندما قال:
«لقد وعدت بإعادة الجميع… وقد أعدنا الجميع»
لم تكن تلك الجملة احتفالًا… بل إعلان انتهاء الالتزام الدولي.
صناعة الإغلاق!
هدف نتنياهو واضح: إغلاق المرحلة الأولى دون الاعتراف بانتهاء الحرب.
النتيجة:
• حرب بلا نهاية
• اتفاق بلا التزام
• مرحلة بلا تعريف
هذه المساحة الرمادية هي التي يتنفسها نتنياهو، وهي مسرح مناورته السياسية… ليس في غزة وحدها، بل في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأكملها.
الضفة الغربية.. ساحة موازية
غزة ساحة النار، الضفة الغربية المحتلة ساحة إعادة هندسة القضية الفلسطينية بأكملها:
• توسيع مستوطنات
• مصادرة أراضٍ
• إضعاف السلطة الفلسطينية
• ضرب الفصائل
• تغيير الواقع الديموغرافي
هذه ليست عمليات أمنية… بل معركة “نزع وجود”.
الضفة هي نواة مشروع الدولة الفلسطينية المنتظرة.
غزة هي ساحة “شرعية المقاومة”.
وإذا ضُربت الأولى وقُيّدت الثانية، سقطت فكرة الدولة الفلسطينية نفسها.
حرب بلا هدف!
الجيش الإسرائيلي أمام معضلة كبرى: حرب بلا تعريف، مهمة بلا نهاية، انتصار بلا شكل.
المؤسسة العسكرية لا تخشى القتال… لكنها تخشى الفراغ.
لأن الفراغ لا يورث نصرًا… بل يورث فوضى سياسية يتحمل الجيش وحده ثمنها.
ماذا عن السلطة الفلسطينية؟
في الضفة الغربية المحتلة السلطة الفلسطينية تتحول من فاعل سياسي إلى فاعل أمني، ثم إلى فائض يمكن الاستغناء عنه.
كلما ضعفت السلطة… قويت الحجة ضد مشروع الدولة الفلسطينية… وهذا تحديدا ما يهم نتنياهو وحلفاءه من اليمين المتطرف.
البديل السياسي “الخفي”!
ما يجري ليس عشوائيًا، بل مشروع يطبخ ببطء شديد:
• غزة منزوع سلاح
• الضفة مهندسة ديموغرافيًا
• سلطة فلسطينية منهكة
• فلسطين بلا أفق دولة
الاسم في العقل الإسرائيلي اليميني:
“Final Status without a State”
صفقة نهائية بلا دولة… فقط إدارة للسكان… وهذا تحديدا ما يفعله نتنياهو.
كيف يرى اليمين المتطرف؟
اليمين يرى الخطاب خطوة ناقصة:
غياب الإعمار جيد، لكن غياب الحسم سيء.
هم يريدون:
• احتلال غزة
• توسيع المستوطنات
• إعادة هندسة السكان
بالنسبة لهم، اللحظة “تاريخية”… ونتنياهو متردد.. لكنه في النهاية ينفذ مشروعهم العقائدي المتطرف.
ماذا عن ترامب؟
السؤال ليس: هل سيوافق ترامب على طرح نتانياهو ؟.. بل: هل يحتاج ترامب دولة فلسطينية أصلًا؟
ترامب يفكر بمنطق: نهاية بلا دولة، إذا كان الطرف الآخر منزوع القوة.
ما يفعله نتنياهو اليوم يقدم له الشرط الذي يحتاجه غدًا: فلسطيني ضعيف… بلا مقاومة… بلا أفق دولة.
كيف ترى مصر الخطاب؟
القاهرة ترى في الخطاب تحذيرًا مبكرًا وناقوس خطر من مرحلة أخطر من الحرب:
• بلا إعادة إعمار
• بلا فتح معبر رفح
• بلا ترتيبات سياسية
• بأعباء إنسانية إضافية جديدة على الحدود
القاهرة تعلم جيدا أن ” بلا إعادة إعمار .. غزة تبقى مدمرة… والأزمة الإنسانية تتراكم”.
وعدم فتح معبر رفح يعني “ضغط إنساني مباشر على الحدود المصرية”.
والحديث عن مرحلة ثانية من الاتفاق بلا ترتيبات سياسية يعني “حرب مفتوحة بلا سقف ولا نهاية”.
والحديث عن نزع سلاح حماس هو “محاولة فرض واقع جديد دون اتفاق إقليمي”.
ومع تآكل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية فهناك خطر فراغ سياسي كبير قد يجرّ المنطقة لفوضى أكبر.
كل ذلك يعني احتمال حدوث موجات نزوح أو تهجير قسري نحو الحدود المصريةما يمثل تهديد استراتيجي تعتبره مصر “خطا أحمر”.
باختصار فالقاهرة ترى أن دفع غزة إلى حرب ثانية بدل إعادة الإعمار، سيناريو غير مقبول أمنيًا وسياسيًا.. قد يشعل المنطقة بأكملها.
الخلاصة
خطاب نتنياهو لم يكن نهاية حرب.. كان إعلان بالتملص من المسؤولية.
وغزة لم تكن المعركة الأخيرة.. لكنها جزء من سيناريو كبير يتعلق ب:
• إعادة هندسة الضفة الغربية
• إلغاء فكرة الدولة الفلسطينية
ويبقى السؤال الأهم الذي يطارد العرب والإسرائيليين على حد سواء:
إذا كان هذا هو “اليوم التالي”، فمن سيحدد مصير المنطقة.. ومن سيقف أمام هذا المشروع قبل أن يُكتمل؟