في خطوة مثيرة للجدل والتساؤلات، تتراجع فكرة التصعيد والإقدام على الحرب بين الطرفين الأمريكي والإيراني، رغم تمسك كل طرف بأهدافه تجاه الطرف الآخر، لكن ما أسباب الحقيقية، هل عسكرية؟ وماذا اكتشفت كلٌّ من أمريكا وإيران في النهاية مما أدى بهما إلى مرحلة التراجع؟
خطورة الحرب
كشف خبراء وباحثون في الشأن الاستراتيجي والأمني الإيراني، في تصريحات لـ”لقصة”، أن تراجع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يرجع إلى إدراك خطورة الانزلاق إلى حرب بين الدولتين، إضافة إلى تداعياتها على منطقة الشرق الأوسط والإقليم بشكل عام.
من جانبه، أكد اللواء عمر الزيات، الخبير الأمني، أن إيران تمتلك نحو 5000 صاروخ باليستي، بينما تمتلك أمريكا نحو 3000 صاروخ من طراز “توماهوك”، وهو ما يجعل الحرب غير متكافئة حتى لو باغتت أمريكا إيران بضربات استباقية.
لا استسلام للضغوط
في المقابل، أوضح الدكتور أسامة حمدي، الباحث في الشأن الإيراني، أن أمريكا تراجعت بسبب تمسك إيران بعدم الاستسلام للضغوط الأمريكية، مع تأكيد طهران أن ردها سيكون قويًا وقد يتطور إلى حرب إقليمية شاملة تستهدف القواعد الأمريكية في المنطقة والأصول الاقتصادية لدول الخليج، إضافة إلى التهديد بإغلاق مضيق هرمز.
وأشار الزيات إلى أن الولايات المتحدة بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي الاستعداد لمواجهة التحدي الصيني، باعتباره المنافس الأبرز لها على زعامة النظام العالمي، بعد الطفرة الاقتصادية الصينية خلال العقود الأخيرة، ما يجعل بكين التهديد الاستراتيجي الأكبر لواشنطن.
منع أي دولة إسلامية من النووي
وأضاف أن السياسة الإسرائيلية تقوم على منع أي دولة إسلامية من امتلاك سلاح نووي، مشيرًا إلى أن باكستان تمثل الاستثناء الوحيد، نتيجة موقعها الجغرافي على الحدود مع الصين. كما أوضح أن معظم الدول المحيطة بالصين تمتلك أسلحة نووية، وهو ما يندرج ضمن حسابات الردع الاستراتيجي.
وأكد الزيات أن إسرائيل تضغط على الولايات المتحدة لجرها إلى مواجهة عسكرية مع إيران، بهدف القضاء على برنامجها النووي.
لكنه أشار إلى أن دخول أمريكا حربًا مع إيران سيكلفها خسائر عسكرية كبيرة، وهو ما قد يضعف استعدادها لمواجهة الصين، خاصة في ظل سيناريو محتمل يتعلق بتايوان.
استنزاف الصواريخ
وأضاف أن التقديرات العسكرية الأمريكية الحالية تشير إلى أن أي مواجهة مع إيران لن تقضي عليها بشكل نهائي، بل ستتحول إلى حرب طويلة.
وأوضح أن استنزاف الصواريخ الأمريكية عالية التكلفة، مقابل امتلاك إيران ترسانة صاروخية كبيرة، سيؤدي إلى اختلال ميزان القوى، فضلًا عن احتمال استهداف إيران لإسرائيل وقواعد أمريكية وإغلاق مضيق هرمز.
وأشار إلى أن هذا الواقع يدفع بعض الدوائر السياسية الأمريكية إلى تفضيل الحلول الدبلوماسية، خاصة مع ضغوط إقليمية من مصر ودول أخرى لمنع اندلاع الحرب، في حين تستمر إسرائيل في الضغط باتجاه التصعيد.
وأضاف أن الهدف الأمريكي يتجاوز الملف النووي إلى محاولة تغيير سلوك النظام الإيراني وربما دفعه إلى التحالف مع واشنطن بدلًا من روسيا والصين.
لكنه شدد على أن إيران تُعد من الدول ذات البنية العميقة والقوة العسكرية، ما يجعل إخضاعها أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي سياق متصل، رجّح الزيات أن يشهد النظام الدولي تغيرات كبيرة خلال الفترة المقبلة، مع صعود قوى مثل الصين والهند، واحتمال تراجع الدور الأوروبي، مشيرًا إلى أن مصر قد تعزز مكانتها كقوة إقليمية.
400 كيلو جرام
كما لفت إلى تحركات دبلوماسية يقودها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي يُتوقع أن يجري جولات في الشرق الأوسط، ضمن جهود التهدئة بوساطة مصر وتركيا.
وأشار إلى تقديرات تتحدث عن امتلاك إيران نحو 400 كيلو جرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية قد تُستخدم في تصنيع قنابل محدودة التأثير، مع استمرار الخلافات حول البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران لحلفائها في المنطقة.
وأكد أن إسرائيل ترفض أي تسوية لا تشمل الحد من البرنامج الصاروخي الإيراني ووقف دعم الحلفاء الإقليميين، وهو ما ترفضه طهران، ما يعقّد فرص التسوية الشاملة.
من جانبه، أوضح الدكتور أسامة حمدي أن إعلان إيران اعتبار أي ضربة محدودة عدوانًا شاملًا أسهم في تهدئة الخطاب العسكري، مشيرًا إلى أن واشنطن تفتقر إلى رؤية موحدة للتعامل مع إيران. كما أشار إلى رفض الرأي العام الأمريكي وحسابات الانتخابات لأي حرب طويلة.
وأضاف أن دولًا مثل مصر وتركيا وقطر والسعودية وروسيا تبذل جهودًا دبلوماسية مكثفة لمنع الحرب، محذرة من تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة، تشمل موجات نزوح وتضرر التجارة العالمية.
ضربة عسكرية
وأوضح أن الصين وروسيا أظهرتا دعمًا أكبر لإيران، ما يعزز موقفها التفاوضي، مؤكدًا أن أي ضربة عسكرية لن تسقط النظام الإيراني بسهولة، بل ستتطلب عمليات برية واسعة، وهو ما يتعارض مع سياسة “أمريكا أولًا”.
وأشار إلى أن إيران تميل إلى مفاوضات مشروطة لا تمس أمنها الاستراتيجي، خاصة أن النظام الإيراني يعتبر أحد أهم مكاسب الشيعة في الشرق الأوسط، وأن طهران اعتادت التعايش مع العقوبات الاقتصادية خلال العقود الماضية.
وأضاف أن واشنطن تعتمد على ما يُعرف بالدبلوماسية القسرية، التي تقوم على التلويح بالقوة العسكرية لدفع الخصوم إلى تقديم تنازلات سياسية دون الدخول في حرب مباشرة.
وأكد أن إيران لن تتنازل عن برنامجها الصاروخي أو دعم حلفائها، لكنها قد تبدي مرونة في الملف النووي، مشيرًا إلى أن فشل المفاوضات قد يقود إلى مواجهة شاملة يصعب التنبؤ بنتائجها.
تهديد مباشر
من جانبه، قال اللواء أمين المجذوب، الخبير الاستراتيجي، إن هناك عدة عوامل أجبرت الأطراف على التراجع عن خيار الحرب، أبرزها الغموض حول القدرات العسكرية الإيرانية، إضافة إلى مخاوف من امتلاك إيران قدرات نووية أو صاروخية متطورة.
وأشار إلى أن استهداف المصالح والقواعد الأمريكية في الخليج يمثل تهديدًا مباشرًا، إلى جانب التداعيات الاقتصادية لأي حرب محتملة على تدفقات النفط والممرات البحرية، مثل باب المندب.
وأضاف أن الدعم الروسي والصيني لإيران يمثل عاملًا مهمًا في موازين القوى، مشيرًا إلى تقارير تتحدث عن استخدام إيران تقنيات حرب إلكترونية أثرت على أنظمة الاتصالات والأقمار الصناعية في المنطقة.
كما لفت إلى احتمال استخدام الخداع الاستراتيجي من جانب الأطراف المتصارعة، مع استمرار الولايات المتحدة في إدارة أزماتها الخارجية لتحقيق مكاسب استراتيجية.
وأوضح أن إيران لا تملك خيارات كبيرة للتنازل في الملفات الاستراتيجية، لأن أي تنازل قد يزيد الضغوط عليها. كما أشار إلى أن النفوذ الإيراني في عدد من العواصم العربية يمثل محورًا أساسيًا في المفاوضات الإقليمية.
وأكد أن تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية يمثل ورقة ضغط أمريكية، في حين ترى إسرائيل أن أي تهدئة قد تهدد مشروعها الإقليمي، ما يدفعها إلى الضغط نحو التصعيد.
وأشار إلى أن التحركات العسكرية الأمريكية، مثل نشر حاملات الطائرات والطائرات الاستراتيجية، تمثل جزءًا من سياسة الردع، كما أن الاغتيالات قد تُستخدم كأداة لتجنب حرب شاملة.
تفاهمات مؤقتة
وأضاف أن التهديدات الأمريكية لم تؤثر بشكل كبير على تحالفات إيران الإقليمية، مشيرًا إلى أن بعض دول المنطقة تسعى لتجنب أن تكون ساحة صراع مباشر.
واختتم المجذوب بالإشارة إلى أن السيناريو الأقرب هو الوصول إلى تفاهمات مؤقتة، وربما اتفاق نووي محدود يضبط مستويات التخصيب دون تسوية شاملة، مع استمرار التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والعلاقات الدولية المعقدة التي تواجه الولايات المتحدة، إضافة إلى امتلاك إيران أدوات ضغط قادرة على التأثير في المصالح الأمريكية في الخليج وأفريقيا.