بينما تضج المنصات الدولية بوعود “إعادة الإعمار” وتدفق أموال المانحين، يبدو أن تحت الأنقاض في غزة مخطط آخر يطبخ على نار هادئة، مخطط لا يستهدف بناء الجدران بقدر ما يستهدف تفريغ الأرض، هل تحول الإسكان الإنساني من حق إلى فخ للتهجير الناعم؟
في هذا التقرير، نكشف الستار عن معادلة التهجير الطوعي التي بدأت تفرض نفسها كبديل لفشل التهجير القسري بفضل الصمود المصري هنا، لا تهدم البيوت بالصواريخ فقط، بل يعاد هندستها جغرافياً و ديموغرافياً لتمزيق الهوية وتحويل القطاع إلى كانتونات معزولة، تدار بعيداً عن السيادة وبشروط الضرورة الأمنية.
من مطار رامون إلى ممرات البحر، ومن ضغوط الحياة اليومية إلى خرائط السيطرة الجديدة.. هل نحن أمام إعادة إعمار وطن، أم إعادة تصميم أزمة لتصفية قضية؟
الإسكان الإنساني يترافق مع الضغوط الحياتية للفلسطينيين
قال الدكتور زياد أبو الهيجاء، المحلل السياسي بالشأن الفلسطيني، إن مايسمى بالإسكان الإنساني ، يترافق مع الضغوط الحياتية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة .
وأشار، زياد أبو الهيجاء،”للقصة” إلى أن بعد فشل محاولات التهجير إلى مصر بسبب الموقف المصري القوي الرافض، قامت إسرائيل بالتهجير الطوعي عن طريق مطار رامون وعن طريق البحر ، باتفافيات سرية مع بعض الدول، وبدون اتفاقيات كما حصل مع جنوب أفريقيا.
الاحتياج للأيدي العاملة الفلسطينية لأجل إسرائيل
كما أردف ابو الهيجاء، أن لم يعد التهجير الكامل ممكنا ، وأصبحت الخطة تقليل الكثافة السكانية في قطاع غزة إلى أقصى حد ممكن ، بحيث لايبقى في القطاع سوى من لايشكلون تهديدا لإسرائيل فهي تحتاج الأيدي العاملة الفلسطينية للعمل في إسرائيل.
كما تابع، أن تكلفتها منخفضة والعمال لايبيتون في إسرائيل، يتم إحضارهم صباحا من غزة وإعادتهم إليها مساء ، والإسكان الإنساني سيكون مخصصا فقط لعائلات لا تنتمي لفصائل فلسطينية.
تراجع نتيجة للموقف المصري
و أوضح، أن فكرة التهجير إلى سيناء تراجعت عنها إسرائيل وأمريكا ، نتيجة للموقف المصري الواضح والقوي في رفض ذلك، مؤكدًا أن التفكيك الديمغرافي قائم و سيستغرق ذلك عدة سنوات كي تحصل اسرائيل على غزة لا تحمل تهديداً لها.
وأختتم ابو الهيجاء قائلا: “نعم يعاد رسم القضية الفلسطينية ، بهدف منع قيام دولة فلسطينية ، والسيطرة على الأرض والسكان مع السماح ببقاء السلطة الفلسطينية لإدارة الحياة المدنية ، دون حق في السيادة على الأرض. تهديدا لها”.
وأشار ةإلى أن مصر الدور الأهم في منع التهجير، أما خليجيا فهناك موقف سعودي قوي مساند للموقف الفلسطيني والمصري، وهناك دور إماراتي يجنح إلى التعاون مع إسرائيل في المجالات المدنية.
ليس مجرد إجراء تقني
ومن جانبه قال أبو بكر الديب خبير العلاقات الدولية، أنه لا يمكن التعامل مع حديث “المناطق العازلة” أو الممرات الأمنية باعتباره مجرد إجراء تقني مرتبط بإعادة الإعمار.
وأشار الديب، لـ”القصة” إلى أن أي التخطيط العمراني يفرض في بيئة صراع نشط يتحول تلقائياً إلى أداة سياسية، وفي الحالة الغزية تحديدا يبدو الخط الفاصل بين الإعمار وإعادة هندسة الجغرافيا و الديموغرافيا شديد الرقة.
ديموغرافي جديد تحت عنوان الضرورة الأمنية
وتابع بأنه فحين تحديد مناطق يمنع البناء فيها أو تفرض مسارات أمنية ثابتة فإننا لا نتحدث فقط عن اعتبارات هندسية بل عن إعادة رسم للخريطة السكانية، وهو ما يفتح الباب أمام فرض واقع ديموغرافي جديد تحت عنوان الضرورة الأمنية وليس فقط التعافي العمراني.
كما أردف أن الإعمار الحقيقي يفترض إعادة الناس إلى بيوتهم لا إعادة توزيعهم وفق خرائط السيطرة، في تقديري الأطراف التي ستقود عملية الإعمار لن تكون جهة واحدة بل شبكة معقدة تضم قوى دولية مانحة ومؤسسات مالية ومنظمات أممية و دول إقليمية لها مصالح مباشرة في الاستقرار أو النفوذ.
خطاب إعادة الإعمار أم خطاب الحقوق السياسية؟
و أشار، إلى أن المشكلة الجوهرية ليست في من يدفع الأموال بل في الإطار السياسي الذي يحكم استخدامها، فهناك فجوة واضحة بين خطاب “إعادة الإعمار” وخطاب “الحقوق السياسية”، وإذا لم تربط العملية بمبادئ مثل حق العودة والتقرير الذاتي فإنها قد تتحول إلى مشروع إدارة أزمة لا إلى مشروع حل جذري، أي إعادة بناء الحجر دون معالجة سؤال السيادة والتمثيل.
موضحاً أن غياب سلطة فلسطينية موحدة عن تفاصيل التخطيط العمراني يخلق أزمة شرعية عميقة، لأن أي مخطط يفرض من الخارج أو يدار عبر ترتيبات أمنية أو تمويلية غير خاضعة لقرار وطني جامع سينظر إليه باعتباره هندسة سياسية أكثر منه إعمار.
من يمثل الناس ومن يقرر شكل مستقبلهم
وقال الديب أن هذا لا يهدد فقط قبول المجتمع المحلي لهذه المشاريع بل يفتح الباب أمام صراعات داخلية حول من يمثل الناس ومن يقرر شكل مدنهم ومستقبلهم،
واضاف إن التخطيط العمراني هنا ليس مسألة فنية بل مسألة سيادة وهوية وحق تقرير مصير، كما أن شروط إعادة الإعمار قد تتحول بسهولة إلى أداة ضغط غير مباشرة، فعندما يمنع البناء في مناطق واسعة أو تفرض قيود على المواد والبنية التحتية، يصبح البقاء نفسه عبئا يوميًا، والاختيار الفردي بالمغادرة شكل من أشكال التهجير.
كما أردف بأنه عندها يتحول “الاختيار الفردي بالمغادرة” إلى شكل من أشكال التهجير الطوعي القسري، لأن البيئة تصمم بطريقة تجعل الحياة شبه مستحيلة تقنيا واقتصاديا، وهذا أخطر من التهجير المباشر لأنه يتم تحت غطاء إداري وإنساني.
هل تتحول خطط الإعمار إلى عملية إعادة تمركز سكاني؟
واختتم، أبو بكر الديب حديثه قائلا: “السيناريو الأخطر هو أن تتحول خطط الإعمار إلى عملية إعادة تمركز سكاني، لا إعادة عودة إلى المناطق الأصلية، بحيث يعاد تجميع السكان في مساحات حضرية كثيفة ومحدودة، غالباً في الجنوب بينما يترك الشمال كمناطق أمنية أو عازلة منخفضة الكثافة أو شبه خالية، وهو ما يعني عملياً نشوء “كانتونات عمرانية” بدل مدن طبيعية.
وأكد “الديب” أن معركة الإعمار في غزة ليست تقنية ولا إنسانية فقط بل سياسية بإمتياز، والسؤال الحقيقي ليس من سيبني؟ وفق أي رؤية: رؤية تعيد الإنسان إلى أرضه وحقوقه، أم رؤية تعيد تشكيل المكان بما يخدم توازنات القوة والأمن، لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين إعادة إعمار وطن وإعادة تصميم أزمة.