يلعب النقد دورا جوهريا في مجال الفكر والأدب والفنون المختلفة، فهو يمثل المعبر الواسع للكاتب والمفكر والفنان والمتلقي، لإيجاد حالة من الوعي النشط بمسارات المنتج الفكري والأدبي والفني، فيتكئ عليه المبدع ليتفادى ما أصاب منتجه من عثرات عليه أن يتجنبها فيما هو مستقبل من إنتاج.
ولا تقف مهمة النقد عند الإشارة إلى تلك العثرات، إذ ربما يكون ذلك من أضعف مهماته، فمهمته الكبرى تكمن في الكشف عن أصالة المنتج سواء أكان فكريا أو أدبيا أو أي فرع من فروع الفنون التشكيلية: “الموسيقى، والعرض المسرحي، والفيلم السينمائي”، ويكون قادرًا بأدواته على كشف الزيف والادعاء، ليضع المنتج الحقيقي بين أيدي القراء؛ فيجنب المتلقي الوقوع في فخ الوقت الميت الذي ينفقه في متابعة منتج رديء يضيع معه وقته الثمين هباءً، فالنقد مدقق ومحقق وكاشف وموجه بالإضافة إلى كونه مربيًا للذائقة، وساميًا بها إلى آفاق السمو ويحميها من قبح التدني.
كما إنه يُذهِب بزَبَد المنتج الغث ويُبقي ما ينفع المبدع والمتلقي على السواء، وهو حافز ودافع للموهوبين، وقاطع لدابر الأدعياء، والمجتمع الواعي هو نتاج نشاط نقدي واسع المدى عميق الأثر، والمجتمع الخامل هو نتاج لغياب النقد والمراجعة والمساءلة، تلكم بعض مهمات النقد في حياتنا الثقافية، ولذلك ننظر إلى الحالة النقدية في مصر بعيون قلقة، فحالته تدعو إلى الحزن وتستحق الرثاء.
كان دائما لدينا نقاد في الأدب والفن لمعت أسماؤهم بفضل ما قدموه من جهود كبيرة أثرت عقولنا وما زالت تثريها، فكان هناك -على سبيل التمثيل لا الحصر- محمد مندور، وعلي الراعي، وفاروق عبد القادر، وسيد حامد النساج، ومحمد السلاموني، ورفيق الصبان، ونهاد صليحة، وفؤاد دوّارة، وغيرهم.
وكانت المجلات الثقافية تفتح أبوابها أمام نُقاد الأدب والفن، حتى أن بعض هؤلاء النقاد قد حققوا شهرة أكثر من المبدعين أحيانا، فترى ماذا أصاب هذا النشاط النقدي من كساد؟ وما الذي جعل سوقه غير رائجة؟ إن مظاهر هذه الأزمة تتجلى في عدة صور نذكر منها: “عدم قدرة النقاد على ملاحقة ومتابعة ما تنتجه آلة الإبداع الواسع في كل أقاليم مصر”، فمصر غنية بمبدعيها وفنانيها، فنظرة فاحصة تكشف لنا عن عدد عناوين الأعمال الأدبية الكثيف كل عام ، وأزعم أن عدد المبدعين وأعمالهم الأدبية في إقليم واحد قد تفوق عدد المبدعين وأعمالهم في كل ربوع مصر فيما مضى من العصور السابقة.
وهناك كتاب مصريون في الشعر والقصة والمسرح رغم غزارة إنتاجهم، فإن إنتاجهم الأدبي تم إهماله وتجاهله وربما تجنيبه وتهميشه من الحركة النقدية، وربما تجاوز عمر بعضهم سن الستين عاما، ولم نضبط دراسة نقدية تناولت أي عمل لهم، مما دفع بهم إلى مسارات مختلفة بسبب هذا التجاهل، فمنهم من أصابه اليأس والإحباط وتوقف تماما عن الكتابة، وحاول آخرون التواصل مع بعض النُقاد للاطلاع على أعمالهم، واتجه بعضهم إلى الكتابة النقدية المتبادلة بينهم وبين أقرانهم، فيجدون في ذلك مُتَنفَّسا لهم.
ومن مظاهر هذه الأزمة ظهور “الشللية” في الوسط الأدبي التي لا يجمع بين أفرادها سمات أو خصائص فنية مشتركة، فلو كان الأمر كذلك لأعلنوا عن ذلك بوصفهم يمثلون تيارًا أو اتجاهًا واحدًا في الإبداع الأدبي والنقدي، مثل: “جماعة الديوان أو أبولُّو قديمًا”، ولكن مفهوم “الشللية” في وقتنا الراهن يعني اتفاق مجموعة من الكتاب على التبادل النفعي بأن ينشر فلان لفلان في صحيفته مقابل أن ينشر الآخر له في صحيفة أو في مجلة ما في متناوله، وتبادل الدعوات في المنتديات مع إهمال غيرهم الذين لا طاقة لهم للقيام بهذه الأعمال التي تنتقص من قيمة هؤلاء وتخصم من مصداقيتهم، وقد أفرز الوضع الحالي عددًا من أدعياء النقد الذين يفتقدون للحس النقدي والدراسة المنظمة، حتى أن بعضهم يتصدى لنقد النص الشعري دون دراية بعلوم الشعر من موسيقى وغيرها، بل الأدهى من ذلك وقوعهم في أخطاء نحوية فاضحة تزخر بها مدوناتهم الورقية وغير الورقية.
إن أولئك النفر الذين يسعدهم أن تتصدر أسماؤهم صفةَ الناقد فلان قد حفظوا عددًا من المصطلحات النقدية ويقحمونها في معرض كتاباتهم دون وعي أو دراية، فالمهم هي تلك الطنطنة التي لا معنى لها غير إضفاء هالة من التفخيم الكاذب عليهم وعلى ما يقولون، وهؤلاء يحتشدون خلف أشباههم بضراوة فيهيمنون على المشهد الأدبي والنقدي ويدفعون بالنقاد الجادين إلى زوايا الانطواء، وترى في المشهد نقادًا أكاديميين تحول النقد عندهم إلى نصوص مكتظة بالطلاسم والغموض والتعالي، فيصدون بذلك القراء عما يكتبون، فالنقد من أهم مهماته بناء الجسور بين المبدع والفنان والمتلقي فإذا فشل في هذه المهمة، يكون بذلك قد حكم على كتاباته النقدية بالموت بين دفات كتبه مهما تعددت، وكان من غياب النقد وتقصيره، أن طفت على السطح ظواهر غاية في التدني في الأدب والفنون المختلفة.
إن معالجة هذه الأزمة يجب خضوعها للعمل المؤسسي والجماعي المدعوم بحوافز مادية معقولة للنقاد تحفزهم على الإقبال والانخراط في الحركة النقدية وذلك بالتعاون بين وزارة الثقافة والتعليم العالي، من خلال حصر المنتج الأدبي والفني في مصر وتوزيعه على النقاد الأكاديميين بالجامعات وغير الأكاديميين ممن لديهم الرغبة في المشاركة والتعاون بإسهاماتهم في هذا المشروع، مع صدور عدد أو عدة أعداد من المجلات الأدبية والفنية في نهاية كل عام وليكن بمعرض الكتاب بحيث تقدم هذه الأعداد التقارير الوصفية والدراسات النقدية لهذا المنتج الأدبي والفني، لتكون زادًا طيبا لجمهور القراء والكتاب والفنانين.
إن تلك المهمة الكبرى لا يمكن أن تتحقق بجهود فردية في حال من الأحوال، وإنما الأمر معقود على مبادرة جادة من وزارة الثقافة والجامعات المصرية، إنه حلم رائع وليس من الصعوبة تحقيقه على وجه الإطلاق، إنما الأمر يكمُن في جدية القائمين على شأن الثقافة المصريات وجامعاتها المنتشرة في كل أقاليم مصر، وفق خطة منضبطة تحقق هذا الحلم الذي من شأنه الارتقاء والسمو بالآداب والفنون في مصر، فلم نعد نعرف وجهة لأدبنا وفنوننا، ونرتكب في حق المبدعين جريمة كبرى، بقتل الموهوبين من أبناء الوطن بالإهمال والنسيان، فهل مِن مُستجيب لهذه الدعوة ؟!.