كنتُ أنوي أن يكون مقالي هذا الأسبوع تفصيليًا عن الأحداث الجارية في المنطقة، وعن الحرب بين لبنان والكيان الصهيوني، لكن استوقفتني سلوكيات النفس البشرية؛ تلك التي لا يجمعها زمانٌ ولا مكان، لكن يجمعها سلوك واحد: الكذب.
أمام هذه النماذج، لا أشعر بالغضب بقدر ما أشعر بشيء من الشفقة.
شفقة على إنسان يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول، دون أن يلتفت إلى حجم التناقض داخله.
وأقول في مثل هذه المواقف:”«ربنا يشفي كل مريض”.
ولا أعلم ماذا يجني الإنسان من الكذب سوى فقدان ثقة الناس به، وتفكك الروابط بين أفراد المجتمع، وإضعاف العلاقات الإنسانية في المواقف اليومية واللحظات الفارقة.
وما يؤلمني حقًا ليس الكذب والتضليل فقط، بل خيبة الأمل في الناس، حين تؤذي من لا يؤذيك، وتُقابل الإحسان بالجحود والنكران، أو حين تأتيك الطعنة ممن لم تتوقع منهم هذا الغدر.
كنت أظن — ولا أزال — أن النفس البشرية السوية تميل بالفطرة إلى الوفاء، وأن من طاب أصله لا يغدر، وأن الأصل الطيب ينعكس على صاحبه، وأن الإنسان يُعرف بفعله لا بمظهره، ولا بما يرفعه من شعارات.
فالمروءة عند العرب لم تكن يومًا شعارًا، بل سلوكًا في المعاملات بين الناس، صدقُ لسان، وكرمُ فعل، وكفُّ أذى، وإحسانٌ بلا ادعاء.
وكل ما يناقض هذه القيم هو خروجٌ صريح عن معنى المروءة ذاته.
وفي خضم هذه الأفكار، تذكرت كلمات الكاتب الكبير مصطفى أمين في مقدمة كتابه “شخصيات لا تُنسى”، حين قال:” أجمل ما في الدنيا هم الناس.. متعتي الكبرى في هذه الحياة أن أعرف الناس.. أن أعرفهم من الخارج والداخل.. أن أدرسهم وأحبهم.. أحببت الكثيرين ولم أكره أحدًا.. كنت أعامل الذين يكرهونني كأنهم مرضى، وأدعو لهم بالشفاء.. وكنت أعطي عذرًا للطبيعة البشرية.. وأعذر الفاشل الذي يحقد على الناجح، وأعذر الضعيف الذي يكره القوي، وأجد مبررًا للفئران عندما تمقت السباع!..
عرفتُ أقزامًا كالعمالقة، وعمالقة كالأقزام.. عرفتُ أقوامًا طوالًا عراضًا من خارجهم، وصغارًا متضائلين من داخلهم.. عاشرتُ الملوك والصعاليك، وعرفتُ صعاليك لهم طباع الملوك، وملوكًا لهم أخلاق الصعاليك.. عشتُ مع النجوم في سمائها، ورأيتُ حولها الشياطين أكثر من الملائكة.. وشهدتُ مواكب النصر تحف بها الطبول والزغاريد، كما شهدتُ مآتم الهزيمة تنهمر منها الدموع وأصوات العويل”.
وإِذا أَتَتْكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ.. فَهِيَ الشَّهادَةُ لي بِأَنّيَ كامِلُ