أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

سمر مرسي تكتب:

سمر مرسي تكتب: على ذمة الحذاء

سمر مرسي

كانت تنظّف الحذاء قبل أن تُضرَب به.. «سأنظف له الحذاء الذي قد يضربني به، لأنه يغضب حين يهوى بها عليّ ويجدها متسخة، فيمعن في ضربي أكثر». 

لم تكن جملة مقتبسة من رواية سوداوية، ولا مشهدًا من فيلم يبالغ في تصوير المأساة. كانت كلمات حقيقية قالتها امرأة حقيقية، بصوت هادئ يكاد يخلو من الانفعال، وكأنها تتحدث عن مهمة منزلية عادية. قالتها عبر رسالة قصيرة على إحدى المنصات الرقمية، ثم أكملت حديثها وكأن الأمر طبيعي، وكأن الحياة يمكن أن تستمر رغم أن كرامة إنسان تُسحق كل يوم تحت سطوة الخوف.

في تلك اللحظة، لم تكن الصدمة في فعل الضرب نفسه، بل في ما هو أعمق من ذلك بكثير. كانت الصدمة في أن امرأة وصلت إلى مرحلة تجعلها تفكر في تنظيف الأداة التي ستؤذيها، فقط لتخفف من حجم الأذى المتوقع. مرحلة يصبح فيها الألم أمرًا مؤكدًا، وكل ما يمكن التفاوض عليه هو شدته.

أخبار ذات صلة

Coronavirus disease 2019
IMG-20260923-WA0091
أرفض دعوات تفريق الجماعة الصحفية
من ينضم للأهلي في الانتقالات الشتوية
صفقات يناير تضع الأهلي في مواجهة بيراميدز.. من ينضم؟

هذه ليست قصة امرأة واحدة.. في كل مدينة وقرية وشارع، هناك نساء يعشن حكايات مشابهة بأشكال مختلفة. قد لا تكون الأحذية هي الأداة، وقد لا يكون الضرب هو الوسيلة، لكن الخوف واحد. الخوف الذي يتسلل إلى الروح ببطء حتى يجعل الإنسان يعيد ترتيب حياته كاملة حول مزاج شخص آخر.

هناك امرأة تختار كلماتها بعناية شديدة قبل أن تتحدث، لأنها تعرف أن كلمة واحدة قد تشعل غضبًا يمتد لأيام. وهناك أخرى تخفي نجاحاتها حتى لا تثير غيرة أو استياء من يفترض أنه أقرب الناس إليها. وثالثة تعتذر باستمرار عن أخطاء لم ترتكبها أصلاً، فقط لأنها تعلم أن الاعتذار أقل كلفة من الجدال.

العنف لا يبدأ دائمًا بصفعة.. أحيانًا يبدأ بجملة صغيرة: «أنتِ لا تفهمين شيئًا».. ثم يتطور إلى سخرية مستمرة، ثم إلى عزل عن الأصدقاء والأهل، ثم إلى سيطرة كاملة على القرار والحياة والاختيارات. وفي كثير من الأحيان، عندما يصل العنف إلى صورته الواضحة، تكون الضحية قد استنزفت سنوات طويلة في محاولة فهم ما يحدث لها أو تبريره أو احتماله.

الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من النساء لا يبقين في هذه العلاقات لأنهن ضعيفات كما يعتقد البعض، بل لأن الواقع أكثر تعقيدًا من الأحكام السريعة. هناك من تخشى على أطفالها، وهناك من لا تملك موردًا ماليًا مستقلاً، وهناك من تم حصارها سنوات طويلة برسائل أقنعتها بأنها لا تستحق حياة أفضل، وبعضهن ببساطة لا يجدن مكانًا آمنًا يذهبن إليه.

ومن الخارج، قد تبدو الأمور طبيعية تمامًا.. صور عائلية مبتسمة، زيارات اجتماعية معتادة، منشورات تتحدث عن السعادة والاستقرار. لكن خلف الأبواب المغلقة تدور معارك صامتة لا يسمعها أحد، معارك تخوضها نساء يحاولن النجاة كل يوم، ليس من الألم الجسدي فقط، بل من ذلك التآكل البطيء الذي يصيب الروح حين تشعر أنها فقدت حقها في الأمان.

المؤلم أن المجتمع أحيانًا يشارك، دون قصد، في استمرار هذه المعاناة. حين يطلب من المرأة أن تتحمل، تصبر، تتنازل أكثر، وكأن مسؤولية إنقاذ العلاقة تقع دائمًا على الطرف الذي يتلقى الأذى، لا على الطرف الذي يصنعه.

لكن الحقيقة البسيطة التي يجب ألا تضيع وسط الضجيج هي أن الكرامة ليست رفاهية، والأمان ليس امتيازًا، والاحترام ليس مكافأة تُمنح للإنسان إذا أحسن التصرف. هذه حقوق أساسية لا ينبغي لأحد أن يقايض عليها.

تلك المرأة التي كانت تنظف الحذاء قبل أن تُضرَب بها لم تكن تتحدث عن النظافة في الحقيقة. كانت تتحدث عن حجم الخوف الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان حين يعيش طويلاً داخل دائرة العنف. كانت تكشف، دون أن تدري، كيف يمكن للأذى أن يعيد تشكيل طريقة التفكير حتى يصبح غير المقبول مألوفًا، ويصبح الاستثناء قاعدة.

ولهذا، حين نسمع مثل هذه القصص، لا ينبغي أن نتعامل معها كحكايات بعيدة أو حالات فردية نادرة. علينا أن نراها كما هي: نداءات إنسانية صامتة، تذكّرنا بأن خلف كثير من الوجوه المبتسمة حروبًا لا يراها أحد.

ففي النهاية، المأساة الحقيقية ليست أن امرأة ضُربت يومًا، بل أن امرأة اقتنعت أن عليها أن تنظف الحذاء أولاً.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

عصام سلامة
سقوط الهيكل.. الأمم المتحدة في ميزان الانهيار التاريخي
مجلس النواب المصري
“لا دخان بلا نار”.. نائب يتحدث عن التسريبات المنسوبة لأحزاب الأغلبية بشأن تأجيل قانون الإدارة المحلية حتى 2028
IMG-20260921-WA0497
عام دراسي من تحت الركام.. 86 مساحة تعيد أطفال غزة إلى التعليم
FB_IMG_1790158778986
قرار عاجل من الأعلى للإعلام.. إيقاف 7 برامج بسبب «بيع الهواء» والخرافات

أقرأ أيضًا

IMG-20260923-WA0011(1)
دعوات تعديل الدستور.. هل نعيد إنتاج الغضب؟
نادي الزمالك - أرشيفية
خريطة ديون «الأبيض».. هل تكفي أموال بيزيرا لإنهاء أزمة القيد؟
IMG_3530
أميرة عبد الفتاح تجيب عن السؤال الغريب.. لماذا لا يستخدم الصينيون Tik Tok؟
55cc521e-bfe4-427d-a77b-ccbae27ccd4c-1 copy
الكارنيه والجنيه.. و«الحدق» يكسب!