#سعد_حلاوة و #سليمان_خاطر
#ثنائية_العشق_والإستشهاد
شافوا الوطن مجروحًا وحزينًا
ومصر تشبه بفلسطين
داسوا على زناد الأحرار
اتشنقوا جوة الزنازين
البطل المصري المغدور في سجون مبارك، المجند سليمان خاطر، الذي هتفت له جامعات مصر ومثقفوها قائلةً: «سليمان خاطر قالها قوية، الرصاص حل القضية»، و«سليمان خاطر مات مقتول، ومبارك هو المسؤول».
لا نستطيع أن نتذكر هذه السيرة العطرة لواحد من بواسل هذه الأمة إلا وتحضرنا سيرة شقيقه الأكبر في ميادين التضحية والبطولة، سعد إدريس حلاوة، ولا عجب في أنهما يتشابهان إلى حد التطابق؛ فهما ابنا أسرتين مصريتين متوسطتي الحال تعملان بالزراعة، كما أنهما من ريف مصر الضارب بجذوره في الأرض، تشرّبا الوطنية مع مياه النيل، فجرت في عروقهما دماء العزة والكرامة، ولم ينبطحا لهوان أيام الردة والمهانة في وطن أراد حاكموه أن يبيعوه في سوق النخاسة.
سليمان خاطر، الفتى الغرّ ذو الخمسة والعشرين عامًا، لم يتحمل أن يدنس الصهاينة تراب سيناء التي راح من أجلها الأبطال، ولم يقبل أن تطأ أقدامهم النجسة الأرض المُخضبة بدماء أشقائه على مر العصور.
في الخامس من أكتوبر عام 1985، ها هو واقف على نقطة الحدود في نوبة حراسته المعتادة بمنطقة رأس برجة بجنوب سيناء، وإذا بمجموعة من الصهاينة تحاول أن تتسلق الهضبة التي تقع عليها حراسته. نهرهم بالإنجليزية فلم يستجيبوا.
لحظات عصيبة مرت على البطل، تذكر فيها أطفالنا الذين استشهدوا في مدرسة بحر البقر. عادت به الذاكرة إلى الوراء، أصوات طائرات الفانتوم ما زال طنينها في أذنه. هرع إلى مكان المدرسة ورأى أكثر من ثلاثين من أطفالنا أشلاء مبعثرة، وحولهم كراساتهم وكتبهم. كان وقتها ابن تسع سنين، ولكنه من هول ما رأى لا ينسى.
عزم أمره وتوكل على الله، وأطلق رصاصه في صدور المعتدين السبعة، بعدها سلم نفسه إلى وحدته بقطاع الأمن المركزي بوزارة الداخلية، فقبض عليه، وصدر قرار جمهوري، طبقًا لقانون الطوارئ، بتحويله إلى محاكمة عسكرية، وهو ما طعن عليه محاميه، مطالبًا بمحاكمته أمام قاضيه الطبيعي، وهو ما تم رفضه.
غضب الشارع المصري، وخرجت المظاهرات الطلابية في كل مكان تطالب بالإفراج عنه، وعُقدت المؤتمرات والندوات، ولكن هيهات من نظام عميل ومستبد.
قُدم للمحاكمة التي قضت بحبسه بالمؤبد خمسة وعشرين عامًا، وأودع السجن الحربي بمدينة نصر. وفي اليوم التاسع لحبسه، أذاعت وكالات الأنباء خبرًا غريبًا ومفاجئًا بانتحاره في محبسه، وهو ما رفضته أسرته، مؤكدين أن ابنهم يعرف الله حق المعرفة ولا يمكن أن يكون أقدم على هذه الفعلة، خصوصًا أنه طلب من والدته في اليوم السابق لاستشهاده أن تحضر له كتب كلية الحقوق حتى يتسنى له إكمال تعليمه.
خرجت المظاهرات غاضبة وهاتفة باسمه، ومُحمّلة مبارك ونظامه مسؤولية دمائه، مرددةً: «سليمان خاطر مات مقتول، ومبارك هو المسؤول».
استشهاد خاطر كان البعث والميلاد الأبدي له، فذكراه العطرة تتوارثها الأجيال جيلًا بعد جيل.
سعد إدريس حلاوة، الشقيق الأكبر لخاطر في عشق الوطن والشهادة، سعد حلاوة، المولود في الثاني من مارس عام 1947 في أسرة ريفية بقرية أجهور الكبرى، والتي تبعد نحو ثلاثين كيلومترًا عن القاهرة.
وهي أسرة متوسطة الحال تمتلك عدة أفدنة وتعمل بالزراعة، وبرغم ذلك أتم أبناؤها جميعًا التعليم العالي، حيث تخرج سعد إدريس حلاوة من كلية الهندسة، قسم الهندسة الزراعية، ولم يتوظف كباقي إخوته الخمسة، وفضل مساعدة والده في زراعة الأرض.
شب وعيه على سنوات التحول الكبرى، حيث شهد في طفولته وشبابه معارك النضال من أجل الحرية والكرامة في عهد الزعيم جمال عبد الناصر، وترسخ داخله العداء للصهاينة المغتصبين للأرض العربية.
لم يكد يفرح بانتصارنا في حرب أكتوبر المجيدة حتى رأى التحول الصادم في سياسة السادات، وهو ما مثل له صدمة كبيرة، حتى جاء اليوم المشؤوم الذي أتى فيه إلى مصر إلياهو بن يسار، أول سفير لإسرائيل، ليقدم أوراق اعتماده وليرفع العلم الإسرائيلي يدنس به سماء القاهرة.
سعد إدريس حلاوة، المثقف المتوازن، هادئ الطباع كما يصفونه في قريته، جن جنونه، وأقسم على نفسه ألا يعيش وهذا الكلب الصهيوني يدنس هواء القاهرة.
فعزم أمره، وتوجه إلى الوحدة المحلية في قريته متسلحًا بمدفع رشاش، واحتجز سبعة من الموظفين بها، وأعلن عبر مكبر الصوت أنه لن يخليهم حتى يتم طرد السفير الصهيوني خارج البلاد.
وتأتي رصاصة الغدر من قناصة السادات، في يوم الثلاثاء السادس والعشرين من فبراير لسنة 1980، لتُنهي حياة البطل وتزفه شهيدًا إلى السماء، ليخلد اسمه أبد الدهر.
ويرثيه الشاعر الكبير نزار قباني قائلًا: «مجنون واحد تفوق علينا جميعًا.. واستحق مرتبة الشرف في ممارسة الثورة التطبيقية، في حين بقينا نحن في نطاق التجريد والتنظير».