أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

رضا شعبان يكتب: عبء الجغرافيا.. هكذا واجه عبد الناصر الوجود الأجنبي في ليبيا

في كتابه «انتقام الجغرافيا»، قال روبرت كابلان، المفكر الاستراتيجي الأمريكي، إن الحدود على الخرائط خطوط مصطنعة بينما تظل الجغرافيا والتضاريس الحقيقة الممتدة.

فالفراغ السياسي والأمني في منطقة شاسعة ومفتوحة يتحول سريعًا إلى مغناطيس يجذب الفوضى ويهدد استقرار الكيانات المجاورة.

وفي سياق مقالاته التحليلية ومداخلاته الفكرية التي أعقبت أحداث الربيع العربي وتفكك الدولة في ليبيا، أشار الدكتور برهان غليون، المفكر وعالم الاجتماع السياسي السوري البارز، إلى أن الأزمة الليبية كشفت عن وهم الأمن القومي القطري المنعزل؛ إذ لا تستطيع أي دولة مجاورة بناء جدار عازل يحميها من شظايا دولة منهارة تجاورها، وأن التنسيق المشترك ليس مجرد خيار تعاوني، بل ضرورة تفرضها الجغرافيا والترابط الديموغرافي.

أخبار ذات صلة

محمد سعد عبد الحفيظ
"عبد الحفيظ”: الصحافة تعمل لدى المحكومين لا الحكومات.. والنقابة مسؤولة عن حماية حرية المهنة
قانون تداول المعلومات
رسالة لـ "النواب": تريدون القضاء على الشائعات.. فلماذا لا تصدرون قانون تداول المعلومات؟
ديانج
عودة ديانج إلى الأهلي.. هل يفتح فالنسيا الباب أمام الصفقة المنتظرة؟

ومن هذا المنطلق، وبالاستناد إلى مواقف جمال عبد الناصر التاريخية في إطار الأمن القومي العربي ورفضه وجود قواعد عسكرية أجنبية في ليبيا -التي كانت آنذاك دولة ناشئة لكنها موحدة- يمكن تناول العلاقة بين ليبيا وجوارها، ولا سيما مصر.

بحكم الجغرافيا ومسؤولياتها، ترتبط مصر بليبيا ارتباطًا وثيقًا، ولا يكتمل أمن حدودها الغربية إلا بوجود دولة ليبية قادرة على ضبط حدودها، ومكافحة التهريب والجريمة العابرة للحدود، وتوحيد مؤسساتها الأمنية، وحماية مواردها، وإدارة علاقاتها الخارجية من خلال سلطة وطنية واضحة وموحدة تضمن ألا يتحول التعاون الدولي إلى نفوذ يتجاوز شروطه المعلنة.

والمقصود هنا وجود سلطة ليبية موحدة تستطيع تحديد شروط تعاونها الخارجي، ومراقبة تنفيذ الاتفاقات، وحماية مواردها، والتفاوض باسم مؤسسات وطنية متماسكة، بدلًا من ترك هذه الملفات رهينة تجاذبات مراكز القوة والصفقات المحدودة.

فهناك فارق كبير بين الصفقات المحدودة مع مراكز قوى تحكمها مصالح شخصية، والاتفاقيات الدولية المعلنة بين دول مستقلة ومتساوية في السيادة.

وبحكم متابعتي للشأن الليبي ومعاصرتي للأزمة ورصدي لممارسات عديدة في شرق ليبيا، أرى أن مدن الشرق شهدت على مدى أعوام تحركات منفردة للقوى المسلحة المسيطرة عليها، وتصرفات توحي بالتعامل مع الإقليم باعتباره دولة تعقد صفقات سياسية. غير أن الواقع يضع هذه السلطات في إطار قوى الأمر الواقع التي تفرض نفسها بقوة السلاح وتستند إلى شرعية منقوصة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن مفهوم الدولة والسيادة، والفارق بين الميليشيا المسلحة والجيش الشرعي، وانعكاسات ذلك على ليبيا ودول جوارها.

إن موقع ليبيا بين مصر ودول المغرب العربي، وإطلالتها على جنوب أوروبا، وامتلاكها موارد نفطية وغازية ومجالًا بحريًا واسعًا، فضلًا عن امتداد حدودها الصحراوية نحو منطقة الساحل الإفريقي، تجعلها موضع اهتمام دولي مستمر. وكلما ضعفت مؤسساتها اتسعت فرص التنافس على أرضها ومواردها وموقعها، وازدادت التهديدات المحتملة لدول الجوار.

لم تكن معركة جمال عبد الناصر مع القواعد العسكرية الأجنبية في ليبيا مجرد اعتراض على وجود قوات بريطانية في الشرق وأمريكية في الغرب، بل انطلقت من تصور أوسع للأمن القومي يرى أن استقلال الدولة لا يكتمل ما دامت قوى خارجية تحتفظ بأدوات عسكرية تتيح لها التأثير في القرار الوطني وموازين القوة المحيطة بها.

ووفق هذا التصور، لم تكن ليبيا مجرد دولة تجاور مصر من الغرب، بل جزءًا من مجالها الاستراتيجي؛ ومن ثم لم يكن الوجود العسكري الأجنبي في ليبيا شأنًا داخليًا محضًا، بل عنصرًا مؤثرًا في حسابات القاهرة وسط الصراع العربي الإسرائيلي والحرب الباردة والتنافس على النفوذ في شمال إفريقيا والبحر المتوسط.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم حساسية عبد الناصر تجاه القواعد الأجنبية، حيث تلتقي الجغرافيا الليبية بالحسابات المصرية؛ فقاعدة العدم قرب طبرق والمنشآت البريطانية في الشرق إلى جانب قاعدة ويلس قرب طرابلس في الغرب لم تكن مجرد مواقع عسكرية داخل دولة مستقلة، بل نقاط ارتكاز تمنح القوى الغربية قدرة إضافية على الحركة في محيط تتداخل فيه مصالح مصر والمغرب العربي وأوروبا والشرق الأوسط.

ولم تنشأ هذه الحساسية بمعزل عن التاريخ الليبي نفسه؛ فمنذ الغزو الإيطالي عام 1911، خاض الليبيون مقاومة طويلة ضد الاستعمار قادها شيخ المجاهدين عمر المختار ورفاقه حتى عام 1931. وبعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، خضعت برقة وطرابلس للإدارة البريطانية، فيما خضعت فزان للإدارة الفرنسية قبل إعلان استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951.

غير أن الاستقلال السياسي لم ينهِ الارتباط بالترتيبات العسكرية الغربية؛ ففي 29 يوليو 1953 أبرمت ليبيا اتفاقية للقواعد مع بريطانيا، ثم وقعت اتفاقًا مع الولايات المتحدة في 9 سبتمبر 1954 لتنظيم استخدام قاعدة ويلس الجوية قرب طرابلس، ودخل الاتفاق الأمريكي حيز التنفيذ في 30 أكتوبر من العام نفسه.

كانت المملكة الليبية الناشئة تواجه تحديات بناء الدولة وتأمين مواردها وتثبيت علاقاتها الدولية، بينما نظرت واشنطن ولندن إلى الأراضي الليبية باعتبارها مواقع متقدمة ضمن منظومة انتشارهما العسكري في البحر المتوسط وشمال إفريقيا.

وفي 22 فبراير 1964، أعلن عبد الناصر في خطاب له أن وجود القواعد العسكرية الأجنبية يتعارض مع الاستقلال الحقيقي للدولة، بالتزامن مع تصاعد النقاش داخل النخب الليبية بشأن استمرار الاتفاقيات العسكرية الغربية ومستقبلها.

لم يكن هذا الموقف مجرد شعار قومي أو ترف سياسي، بل تعبيرًا عن تصور يرى أن الاعتراف الدولي باستقلال الدولة الليبية لا يكفي إذا ظلت أدوات الخارج مؤثرة في أمنها ومجالها الاستراتيجي وخاضعة لترتيبات لا تتحكم الدولة وحدها في نتائجها.

وبعد ثورة الأول من سبتمبر 1969، اتجه النظام الجديد بقيادة معمر القذافي إلى إنهاء الوجود العسكري البريطاني والأمريكي؛ وانسحبت القوات البريطانية من منشآت طبرق والعدم في مارس 1970 وأُطلق على قاعدة العدم اسم «قاعدة ناصر الجوية»، فيما سلمت الولايات المتحدة قاعدة ويلس إلى السلطات الليبية في 11 يونيو من العام نفسه وأُطلق عليها اسم «قاعدة معيتيقة». ومثل إخلاء القواعد تحولًا مهمًا في مسار السيادة الليبية.

وفي السياق نفسه، وانطلاقا من تصوره للمصالح والتهديدات المشتركة والمسؤولية الجغرافية، عارض القذافي اتفاقيات كامب ديفيد لعام 1978 التي وقعتها مصر (السادات) مع إسرائيل. واستند موقفه إلى رؤيته للصراع العربي الإسرائيلي ومكانة مصر في النظام الإقليمي، بل اتخذ إجراءات عملية ضد القاهرة، واختلفت حسابات الرجلين وظروفهما وقتها.

تختلف ليبيا اليوم جذريًا عن ليبيا الخمسينيات والسبعينيات، لكن الضرورة الجغرافية لا تزال قائمة؛ فالقضية لم تعد مقتصرة على قواعد عسكرية معلنة تحكمها اتفاقيات محددة، بل باتت مرتبطة بتعدد المؤسسات السياسية والعسكرية وتفاوت السيطرة على الأرض وتباين علاقات القوى المحلية بالأطراف الخارجية.

وفي بيئة مفككة وغير موحدة، لا يحتاج النفوذ الخارجي إلى وجود عسكري مباشر، إذ يمكن أن يتوسع عبر التعاون الأمني والتدريب والتسليح والتفاهمات الاقتصادية والسياسية، أو من خلال بناء علاقات منفصلة مع مراكز قوى متنافسة.

ولا يعني ذلك أن كل تعاون بين الدول المستقلة يمثل انتقاصًا من السيادة، أو أن الشراكات الأمنية والاقتصادية تخفي بالضرورة أهدافًا غير معلنة. فالتعاون الدولي قد يخدم المصلحة الوطنية عندما يستند إلى مؤسسات وطنية شرعية واتفاقات واضحة ورقابة فعالة وتوازن بين الالتزامات والمنافع.

وهنا تتجدد دلالة التجربة الناصرية -لا باعتبارها وصفة جاهزة لعصر مختلف، بل مدخلا لفهم العلاقة بين السيادة وموازين القوة.

ويلزم هنا التوضيح أن المصالح المصرية لا تجعل السيادة الليبية امتدادا للسيادة المصرية ولا تمنح القاهرة حق تقرير خيارات جارتها الخارجية. وبالمثل، فإن اعتراض القذافي على اتفاقية كامب ديفيد لا يعبر عن حق في التحكم بخيارات مصر السيادية. فالعلاقة المستقرة تقوم على احترام استقلال القرار الوطني ومراعاة اعتبارات الجغرافيا والتعاون في مواجهة التهديدات المشتركة دون مصادرة حق أي دولة في تحديد مصالحها.

فليبيا القادرة على إدارة علاقاتها الخارجية تمثل شريكًا في حماية الأمن الإقليمي، أما انقسامها فيفتح المجال أمام نفوذ متنافس يصعب ضبط تداعياته.

وهنا يبرز الفارق بين استقلال الأرض واستقلال القرار، بين دولة تمتلك حدودها قانونيًا فحسب، ودولة تمتلك القدرة المؤسسية على تحديد ما يجري داخل هذه الحدود والتحكم في التزاماتها الخارجية وفقًا لمصالحها الوطنية.

وحين تتسع المسافة بين الاستقلالين في دولة بحجم ليبيا وموقعها، لا يبقى أثر ذلك محصورًا داخل حدودها، بل يمتد إلى حسابات الأمن القومي لدول الجوار، وفي مقدمتها مصر.

……..

رضا شعبان | كاتب مختص بالشأن الليبي

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

d8995fbc-8914-4e41-a43d-90e400c9d741
إبراهيم خالد يكتب: الإعلام الخاص في مفترق الطرق.. من يضبط المشهد؟
عبد الغني الحايس
عبد الغني الحايس يكتب: المواطن الغائب في مؤتمر الإنجازات
f319f9dd-ad4c-4d6f-a0e0-119c2983acac
جمال قرين يكتب: 6 أكتوبر 1973
1791539478-1791539478-9dg7pgvq3nms-700x400
نوبل للسلام 2026 تكافئ "صوت العدالة الدولية".. نافي بيلاي: رحلة الحقوقية التي حاصرت جرائم الإبادة بالصلابة والقانون

أقرأ أيضًا

أستاذ القانون الدولي محمد مهران
أستاذ قانون دولي: ثماني دول تتحدى واشنطن دفاعاً عن المحكمة الجنائية الدولية
866ab107-7d5e-4bba-9c6b-1dfce484b0c1
رضا شعبان يكتب: عبء الجغرافيا.. هكذا واجه عبد الناصر الوجود الأجنبي في ليبيا
الأهلي والزمالك - أرشيفية
قمة خارج التوقعات.. لقاء مُنتظر للأهلي والزمالك يشعل سباق الدوري
المحامي محمد أبو الديار
غدا.. "أمن الدولة" تنظر تجديد حبس المحامي محمد أبو الديار.. وزوجته: نتمنى عدم الوصول لغرفة المشورة