في ظل تنامي التوترات المتسارعة واشتعال الجبهات الإقليمية، برزت على الطاولة السياسية والاستراتيجية ملفات بالغة الحساسية، تتصدرها خطوة طلب القيادة السياسية المصرية تفويضاً من البرلمان للمشاركة الدفاعية إلى جانب المملكة العربية السعودية حال طلبت الرياض ذلك، بالتزامن مع تلويح واشنطن بما وصفته بـ “الفرصة الأخيرة” أمام إيران لتجنب ضربة عسكرية مدمرة.
وتأتي هذه التطورات لتضع صانع القرار الإقليمي والدولي أمام سيناريوهات معقدة، تتداخل فيها حسابات الردع العسكري، وضوابط الأمن القومي، ومخاطر اتساع رقعة الصراع لتشمل ممرات الملاحة ومنشآت الطاقة الحيوية.
المشاركة المصرية “دفاعية بحتة” وليست هجومية
في تحليل ميداني واستراتيجي لطبيعة الموقف المصري والجدل الدائر حوله، قال الدكتور محمد وزان، الباحث في الدراسات السياسية والاستراتيجية، لـ “القصة”، إن إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي طلب التفويض من البرلمان للمشاركة مع السعودية جاء مشروطاً بنقطتين أساسيتين: الأولى هي طلب المملكة الرسمي لذلك، والثانية أن تكون المشاركة “دفاعية وليست هجومية”.
وأوضح وزان أن الحرب الدائرة في اليمن تنقسم إلى شقين أساسيين؛ شق جوي تتمثل في الضربات التي تنفذها السعودية على مواقع الحوثيين في صنعاء وتعز والحديدة ومحافظات أخرى، وشق بري يتمثل في مواجهات سجال بين القوات المسلحة اليمنية (وقوات درع الوطن) وقوات الحوثيين في عدة مدن، ووجود قوات سعودية داخل اليمن لإسناد القوات الحكومية. وعليه، فإن التفويض المصري الموجه للدفاع عن السعودية يعني حصراً عدم قيام مصر بشن ضربات جوية على اليمن أو إرسال قوات برية هجومية إليه، بل يأتي في إطار قرار سيادي مدروس ودارس لتداعياته الاستراتيجية والاقتصادية بدقة عبر أجهزة الدولة ومؤسساتها العسكرية التي تمتلك وحدها القدرة على قراءة المشهد بمعزل عن تكهنات وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي معرض رده على التخوفات التاريخية بشأن مقارنة مشاركة الجيش المصري في حرب اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، أكد الباحث الاستراتيجي أن الدولة والقوات المسلحة تدركان تماماً أبعاد القرار وسيناريوهاته البديلة، معرباً عن الأمل في التوصل إلى تسوية سياسية تنهي هذه الصراعات العربية. أما بشأن التساؤلات الشعبية حول عدم التدخل العسكري المباشر ضد إسرائيل مقارنة بالوضع مع السعودية، فأوضح وزان أن ملف غزة ذو طبيعة مختلفة تماماً تحكمه اتفاقيات السلام والاعتبارات الاقتصادية والعسكرية الكارثية لأي مواجهة مباشرة، مع التأكيد على أن الموقف المصري يظل حاسماً في رفض خطوط حمراء بعينها كالتهجير القسري.
التصعيد الأمريكي — الإيراني.. “الفرصة الأخيرة”
وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، لفت وزان إلى التصريحات الحادة لوزير الحرب الأمريكي التي اعتبر فيها أن الوقت الحاضر هو “الفرصة الأخيرة” أمام طهران للتوصل إلى اتفاق أو مواجهة حرب مدمرة لا هوادة فيها.
وأكد الباحث الاستراتيجي أن حجم التحشيدات العسكرية الأمريكية الحالية في المنطقة يفوق نظيراتها السابقة (خلال عمليات فبراير الماضي)، مما يؤكد أننا تجاوزنا مرحلة “رسائل الردع” وأصبحنا أمام قرار عسكري أمريكي-إسرائيلي قد تم اتخاذه بالفعل وتجهيز بنوك أهداف بشأنه، ليصبح السؤال المعلق ليس “هل تضرب أمريكا إيران؟” بل “متى تبدأ الضربة؟” في ظل استكمال الانتشار البحري والجوي ومعالجة النقص في مخزون الصواريخ الدفاعية لحماية القواعد وال حلفاء بالخليج، وهو ما ينذر بساعات حاسمة وفاصلة قد ترسم خريطة جديدة لأمن الإقليم بأسره.