مع انطلاق “منتدى مصر 2026″، تطرح طبيعة القضايا المدرجة على أجندته سؤالًا مهمًا:لماذا لا تحظى قضايا سياسية مهمة، مثل الحريات العامة وحرية الإعلام والإصلاح السياسي والمحاسبة، بمساحة من النقاش؟
ووانطلقت فعاليات منتدى مصر 2026، أمس، تحت شعار «نظرة اليوم.. رؤية الغد»، وسط غياب لعدد من الملفات السياسية الهامة، التي يأتي على رأسها الحريات العامة وفتح المجال العام، وهو ما يبدو غريبا خاصةً وأن المنتدى ينعقد في أعقاب تصريحات رئيس الجمهورية عن انتقال السلطة في 2030. ما يستلزم اتخاذ خطوات جادة في تلك الملفات التي لم تكن مطروحة للنقاش في المنتدى من الأساس.
وبمراجعة المحاور المعلنة على الموقع الرسمي لمنتدى مصر 2026، تتوزع المناقشات بين بناء الإنسان، والتنمية المتكاملة وجودة الحياة، والحماية والأمان المجتمعي، والاقتصاد، بما يشمل التعليم والشباب والصحة والتحول الرقمي وفرص العمل وإدارة الدين.
وتشمل الملفات السياسية والحقوقية التي لا تظهر عناوين مستقلة لها في الأجندة المنشورة لمنتدى مصر 2026 قضايا الحريات العامة وحرية الصحافة والإعلام، وأوضاع سجناء الرأي والحبس الاحتياطي، وضمانات المحاكمة العادلة، وحرية التعبير والتظاهر وتكوين الأحزاب، وفتح المجال العام أمام المعارضة والمجتمع المدني. كما تغيب عن المحاور الرئيسية المعلنة مناقشة مستقلة للإصلاح الانتخابي، وتطوير النظام الانتخابي بما يعزز التعددية والتمثيل السياسي، وضمان نزاهة الانتخابات وتكافؤ الفرص بين المرشحين، إلى جانب استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، والشفافية ومكافحة الفساد، ومساءلة المسؤولين عن تنفيذ السياسات العامة.
وتشمل الملفات الأخرى التي تطرح نفسها في النقاش السياسي مصير مخرجات الحوار الوطني، ومدى تنفيذ التوصيات المتعلقة بالحريات والإصلاح السياسي، ودور الأحزاب في صنع القرار، وضمانات مشاركة الشباب والنساء في الحياة السياسية، واستقلال النقابات المهنية والعمالية، وحرية عمل منظمات المجتمع المدني.
كذلك لا تتضمن الأجندة الرئيسية المعلنة محورًا مستقلًا حول تداول السلطة والاستحقاقات السياسية المقبلة في 2030، أو الضمانات الدستورية المنظمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، أو العلاقة بين السلطات وآليات الرقابة البرلمانية على الحكومة.
وتكتسب هذه الملفات أهمية في ضوء تصريحات الرئيس بشأن انتقال السلطة في 2030، وتطرح سؤالًا حول مدى حضور الإصلاح السياسي والمؤسسي إلى جانب ملفات التنمية والاقتصاد، فإلى جانب أسئلة التنمية والاقتصاد، يظل مطروحًا سؤال آخر: ما الضمانات والإجراءات المطلوبة لتوسيع المشاركة السياسية، وتعزيز حرية الإعلام، ومتابعة تنفيذ التعهدات السابقة بشأن الإصلاح السياسي؟
يقول المهندس أحمد بهاء شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، إن الحريات العامة نوقشت باستفاضة خلال الحوار الوطني الذي انعقد منذ فترة بين مؤسسات الدولة، وسط وعود بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. وكانت الحركة المدنية ممثلة بقوة من خلال أحزاب المعارضة، التي خاضت معركة للدفاع عن الحريات، خصوصًا فيما يتعلق بملف سجناء الرأي، ورفض تحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة، فضلًا عن حرية الإعلام.
ويضيف شعبان، في تصريحات خاصة، أن الحوار الوطني شهد نقاشات قوية، وانتهى إلى الاتفاق على إطلاق سراح سجناء الرأي الذين لم تتلوث أيديهم بالدماء، وتغيير نظام انتخابات البرلمان وإعادة الاعتبار إلى القائمة النسبية.
ويؤكد: «لكن للأسف، لم تُنفذ أي نقطة مما تم الاتفاق عليه، وهو ما تسبب في مقاطعة فصائل المعارضة للحوار الجديد في منتدى مصر، لاستشعارها أن هذه الحوارات غير مجدية على الإطلاق».
ويوضح شعبان: «أستطيع القول إن مصر لم تعرف في الفترة الأخيرة أي ممارسة ديمقراطية حقيقية، وهناك مصادرة لجميع الحريات في البلاد، حتى تلك المنصوص عليها في الدستور المصري، الذي نص على أن مشاركة المواطن في السياسة واجب وطني، وتحدث عن حرية الرأي والتعبير، وهو ما جرى إهماله وتجاوزه، لتنتهي الأمور إلى مجرد شعارات مرفوعة دون تطبيق واقعي».
ويؤكد شعبان أنه كان من الممكن قبول عدم فتح الملفات السياسية المهمة هذه المرة والانتقال إلى ملفات أخرى، إذا كانت مخرجات الحوار الوطني قد نُفذت، موضحًا أن كل ما يتعلق بالملف السياسي يجب أن يكون أولوية في النقاش.
ويضيف: «كل ما يُقال في هذا المؤتمر لا قيمة له ما لم يضع في مقدمة أولوياته الملايين من أبناء الشعب الذين يتضورون جوعًا ويعانون أزمة لم تمر بها مصر منذ عقود طويلة. وأي حلول لا قيمة لها على الإطلاق ما لم تُحل مشكلات الديمقراطية والاقتصاد، الذي لن ينتعش في بلد لا يحترم الدستور والقانون ولا يعترف بالحريات».
في المقابل، يرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن ملف حقوق الإنسان منسي تمامًا في مصر، وهو ما يشمل بالضرورة الملفات السياسية المهمة، وفي مقدمتها الحريات العامة، بما تتضمنه من قضايا سجناء الرأي وحرية الإعلام وفتح المجال العام. ويعتبر أنه من الطبيعي، في ظل ذلك، ألا يتطرق منتدى مصر إلى مثل هذه الموضوعات.
ويقول صادق لـ«القصة» إن هناك ثقافة سياسية سائدة في مصر تقوم على عدم الاستجابة للرأي العام أو للمواطنين، معتبرًا أن ذلك يعكس وجود مراكز قوى لا تحترم القانون والدستور ولا تهتم بالملفات التي تشغل المواطنين. ويوضح أن الملفات السياسية المهمة في مصر تعاني، بحسب تقديره، من انتشار الفساد، وهو ما يجعل تناول الحكومة لها في المنتدى أمرًا صعبًا، لأنها ستكون في موضع من يدين نفسه.
ويضيف صادق أن النظر إلى ترتيب مصر في بعض التقارير الدولية يكشف حجم الأزمة، موضحًا: «حرية الإعلام في المرتبة 169 من بين 180 دولة، والعدالة في المرتبة 135 من بين 140، والحريات الأكاديمية في المرتبة 155 من بين 170. هذه الأرقام تحتاج إلى جهد وعمل، وليس إلى منتدى تتحدث فيه الحكومة عن إنجازات لا يراها سواها».
ويشير أستاذ علم الاجتماع السياسي إلى أن الدولة تتحمل جزءًا من مسؤولية تدهور الأوضاع السياسية، في ظل غياب المساءلة، التي تُعد أحد أهم مقومات التقدم. ويوضح: «الدولة الحديثة تقوم على المساءلة، ولا تُخفى فيها الملفات، بما يتيح طرح مختلف القضايا على طاولة النقاش. أما غياب المساءلة، فيؤدي إلى تراكم الملفات التي لا يُسمح بمناقشتها، ويجعل طرح قضايا مهمة للنقاش أمرًا صعبًا».
ويؤكد صادق أن أي تنمية لا بد أن يكون هدفها الإنسان، وهو ما يرى أنه لا يتحقق في مصر، موضحًا: «في مصر دائمًا يأتي الحجر قبل البشر، لذلك لا يمكن التطرق إلى ما يهم العنصر البشري. فلا فائدة من حوارات أو منتديات لا تضع الإنسان في المرتبة الأولى».