استيقظنا صباح السابع من أكتوبر في عام 2026 على منشور منسوب إلى الرئيس الفرنسي ينعى إلى العالم ضحايا السابع من أكتوبر من الإسرائيليين والفرنسيين الذين اسماهم ضحايا هجمات حماس، والذي أكد على أن عددهم 1200 شخص في ثلاث سنوات، متجاهلا عشرات الآلاف من الضحايا من الفلسطينيين الذين يعانون حتى كتابه هذا المقال من حرب قذرة تستهدف القضاء على تاريخ وحاضر ومستقبل الأمة الفلسطينية.
هنا كان علينا أن ننظر إلى السابع من أكتوبر من العام 2023 مرة أخرى، كيف كانت فلسطين قبله، وماذا حدث في السابع من أكتوبر وما حدث بعده، هل كانت فلسطين القضية والشعب بحاجة إلى هذا الأمر أم أن هذا الأمر قد جاء ليقضى على ما تبقى منهما كما يقول بعض الفلسطينيين أنفسهم.
قبل السابع من أكتوبر كانت فلسطين تمارس حياتها العادية وسط القصف والحصار والاستيطان و التهجير و الاعتقال. وكانت غزة تعانى ويلات الحصار منذ 2007، وامتد إلى تقييد الاستيراد والتصدير، حركة العمال، دخول المواد الخام، حركة المعدات، الوصول إلى الأسواق، الصيد البحري، بعض أنواع الإنتاج الزراعي، السفر والعلاج والتعليم خارج غزة.
في سبتمبر 2023 مثلاً، سجلت الأمم المتحدة إطلاق القوات الإسرائيلية نيران تحذيرية قرب السياج وعلى ساحل غزة، واعتقال صيادين ومصادرة قوارب، كما سجلت احتجاجات قرب السياجي مما أضر بغزة على المستويين الاقتصادي و الاجتماعي. وحتى على مستوى الخدمات، ففي أغسطس 2023 كانت إمدادات الكهرباء تصل في المتوسط إلى نحو 13 ساعة يومياً، ثم انخفضت في بداية سبتمبر إلى مستويات أقل مع خفض تشغيل محطة الكهرباء. وكانت الأمم المتحدة تشير إلى أن ذلك يؤثر مباشرة على المستشفيات، المياه، الصرف الصحي، النظافة، الأعمال، الحياة المنزلية.
أما على مستوى الصحة، فالبنك الدولي أشار قبل الحرب مباشرة إلى أن القيود الاقتصادية وحركة المرضى، والمرضى المحولين للعلاج خارج غزة، كانت تعرقل الرعاية الصحية. وكانت هناك عشرات الآلاف من طلبات التصاريح الطبية سنوياً، وكان الحصول على التصريح الإسرائيلي يمثل جزءاً من عملية الوصول إلى العلاج بالنسبة للعديد من مرضى غزة.
وفي غزة نفسها كانت الأونروا تدير قبل الحرب 22 مركزاً للرعاية الصحية الأولية تخدم نحو 1.3 مليون لاجئ فلسطيني، بالإضافة إلى خدمات وزارة الصحة والقطاع الخاص لأونروا التي كانت تسجل في غزة قبل الحرب نحو 1.58 مليون لاجئ مسجل، أكثر من 286 ألف طالب في مدارسها. 183 مدرسة، ملايين الزيارات الطبية سنوياً، شبكة كبيرة من برامج الحماية والمساعدات، حتى أصبجت المعونات والمساعدات الدولية هي المورد الرئيسي للحياة في غزة، وربما كانت الوحيدة في بعض الأحيان.
وبحسب تقرير أممى، فإن القصف المستمر حتى جولة مايو 2023، خلَّف 33 قتيلا فلسطينيا، وكانت الضفة تعاني من ويلات الاستيطان والتهجير والاعتقال.
و في فجر السبت 7 أكتوبر 2023 شنّت كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، ومعها فصائل فلسطينية مسلحة أخرى، هجومًا واسعًا ومتزامنًا من قطاع غزة على جنوب إسرائيل. وجمع الهجوم بين إطلاق آلاف الصواريخ والقذائف، واختراق السياج الحدودي، ودخول مقاتلين إلى بلدات ومستوطنات وقواعد عسكرية، وهجمات على تجمعات مدنية ومهرجانات موسيقية، وقتل وأسر إسرائيليين وأجانب، ونقل 251 شخصًا إلى قطاع غزة كرهائن، وهو ما تعتبره إسرائيل أعنف هجوم في تاريخها، بينما تعتبره حماس عملية مقاومة هدفها كسر الوضع القائم حول غزة وإحداث تحول استراتيجي في الصراع.
وبحلول الذكرى الثالثة، استقر الرقم المتداول للقتلى الإسرائيليين المرتبطين بالهجوم عند نحو 1,200 شخص، مع اختلاف الأرقام التفصيلية بحسب طريقة التصنيف.
هنا علينا أن نؤكد أولا أن حماس لم تكن سوى المدبر لعملية السابع من أكتوبر، فالعملية شارك فيها فصائل أخرى من المقاومة وفق البحث الذي أجرته هيومن رايتس ووتش، حيث حدد مشاركة خمس مجموعات فلسطينية مسلحة على الأقل: كتائب عز الدين القسام “حماس”، التي مثلت القوة القائدة، سرايا القدس “الجهاد الإسلامي الفلسطيني”، كتائب المقاومة الوطنية “الجبهة الديمقراطية”، كتائب الشهيد أبو علي مصطفى “الجبهة الشعبية”، كتائب شهداء الأقصى.
فقد وقعت تلك العملية لتنبئ عن واقع جديد تماما، ربما يكون هو السيء الآن على الفلسطينيين، سواء كانوا في الضفة الغربية أو قطاع غزة، إلا ان تلك العملية جعلت فلسطين الشعب والقضية السبب الرئيسي في انتفاضات شعوب العالم. فشعوب المنطقة التي عانت أعوام من التنكيل والقمع والاستبداد بعد موجات الربيع العربي، دبت فيها الحياة مرة أخرى على حسب كل دولة وقوة الحركة الاجتماعية فيها، فانطلقت التظاهرات و اشتبكت الجماهير مع أنظمتها العميلة لتكشف وجهها القبيح، وتعلن عن استمرارها في نضالها.
فلقد كانت فلسطين ومازالت هي شعلة الغضب التي لا تنطفئ في منطقتنا المنكوبة، لتنتقل العدوى إلى أوروبا العجوز التي لم تكتفي شعوبها بمجرد التظاهر أو إعلان الموقف من القضية الفلسطينية، بل اتجه بعضهم إلى فلسطين برا وبحرا لكسر الحصار عنها، معرضين أنفسهم من التنكيل بواسطة أنظمتهم أو قوات الاحتلال الإسرائيلي، فلقد فرض السابع من أكتوبر فلسطين على المجتمع الدولي، و أرغمت الشعوب أنظمتها على أن تدخل المعركة، وتشكلت جبهات اليسار بشكل خاص في أوروبا لتشكل كتلي في مواجهة كتلة اليمين العنصرية، التي قادت أوروبا حكومات وشعوبا بعد جائحة كورونا من رفض للأقليات والمهاجرين، بالإضافة إلى سياسات الإفقار و التجويع التي أطاحت بالكثير من عناصر الطبقة العاملة الأوروبية التي عادت أيضا إلى نشاطها، وأعادت تنظيم نفسها فضلا عن دخولها في معارك طبقية وسياسية بفضل التظاهرات والانتفاضات الشعبية.
الأوضاع في أوروبا الآن خير دليل على نتائج هذا التحالف الجبهوي بين كتل اليسار التي اختلفت حول آليات نضالها وتحالفاتها مع أنظمتها، واتفقت حول دعم فلسطين، مما أدى إلى تبنى بعض الدول أصحاب الميول الاستعمارية إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية للمرة الأولى في تاريخها.
السابع من أكتوبر ليس انتصارا ساحقا. فلقد خسرنا العديد من الشهداء، فضلا عن انهيار البنية التحتية تماما في غزة، وانهيار وتصدع الكتل الرئيسية في المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وداعميها من روسيا والصين وإيران، الذين بالتأكيد دعموا المقاومة لمصالح تختلف عن مصالح الشعب الفلسطيني، إلا أن المواجهة الآن في العالم بين إيران وأمريكا من جانب، واليمن والسعودية من جانب آخر تعتبر من النتائج غير المباشرة حسب بعض المصادر لعمليه السابع من أكتوبر، وما تلاها من عمليات عسكرية في عمق الأراضي المحتلة.
إن السابع من أكتوبر قد غير شكل العالم تماما. فالأراضي المحتلة تحت هجمات مستمرة، والمستوطنين في الخارج يواجهون بالرفض الشعبي والرسمي أحيانا، فضلا عن ملاحقة المسئولين في الكيان الصهيوني قانونيا في بعض الدول، بينما تشتعل أوروبا بالاحتجاجات الشعبية ضد سياسات أنظمتها، رافعة الأعلام الفلسطينية، ومناديه بحرية الشعب الفلسطيني، جنبا إلى جنب مع حقوقها الأصيلة والمكتسبة.
إن ما حدث في السابع من أكتوبر أكد على أن المقاومة ستظل مستمرة، سواء كانت على المستوى العسكري و على مستوى الدعم والتضامن، مما جعل من المقاومة الراية الرئيسية لشعوب العالم التي ستظل مرفوعة، حتى تنال فلسطين – كل فلسطين – حقوقها المسلوبة.