هناك، في قرية مصرية، في أوائل الستينيات من القرن الماضي، حيث أمضيت فترة الصبا، ومع بواكير وعي الطفولة البريئة، عشت بين جنبات بيت تتردد فيه كلمات لم أكن أدرك معناها، ولكنني أشعر بفخامتها وأهميتها، حيث يتلفظ بها أبي ومن حوله بافتخار وحماس، فكانت كلمات «حرية ووحدة واشتراكية» تقع على أذني موقع السحر.
وعرفت القرية التلفاز، الذي لم تكن تمتلك منه إلا جهازًا واحدًا صغير الحجم، يبث برامجه عبر قناتين فقط، تنتهي فترة بثهما مع منتصف الليل. وكان موضعه، في أول الأمر، بجمعية الإصلاح الزراعي، فيخرج أهالي القرية ليفترشوا الأرض أمام التلفاز العجيب، يحرصون على رؤية الزعيم جمال عبد الناصر، ويستمعون إلى خطبه في المناسبات المختلفة. وما إن تظهر صورة ناصر أمام عيونهم حتى ينفجروا تصفيقًا، تحيةً وتقديرًا لزعيمهم المعشوق.
كانت القرية تقع على بُعد قليل من أحد المطارات العسكرية الكبيرة التي يستهدفها الطيران الإسرائيلي، حتى إننا نكاد نرصد صعود الطائرات وهبوطها، وكان ذلك مشهدًا يوميًا اعتدنا عليه، حتى أقبل علينا وعلى مصر كلها ذلك الصباح المشؤوم، صباح 5 يونيو 1967م. فقد شاهدنا سيلًا متدفقًا من الطائرات، محدثًا صوتًا مخيفًا يشبه عواء الذئاب، وبعد لحظة قصيرة سمعنا أصوات انفجارات، وشاهدنا عن بُعد ألسنة اللهب والدخان تكاد تلامس السحاب، بل إنها نفسها شكّلت غيومًا شديدة السواد، واضحة للعيان.
وكان من الطبيعي أن ندرك سر هذا السرب من الطيران الصهيوني الذي حقق هدفه، ثم عاد سريعًا. خرج أهل القرية حائرين إزاء هذه الضربة الصهيونية: هل وقعت الهزيمة بنا؟ أم أننا نحقق انتصارًا هناك في سيناء؟ ومما زاد الناس حيرةً ترددهم بين إذاعتين تتناقض بينهما الأنباء تناقضًا يوحي بأن شيئًا ما قد حدث؛ فإذاعة الكيان الصهيوني تؤكد احتلال سيناء، بينما الإذاعة المصرية تصدر بيانات تؤكد انتصارات كبيرة للجيش المصري هناك.
حتى أقبلت الليلة الليلاء التي ظهر فيها ناصر على شاشة التلفاز، ملقيًا خطابه الذي أكد فيه وقوع النكسة وانسحاب الجيش المصري من سيناء، وتحمله المسؤولية كاملة، وإعلانه التنحي. كان وجه ناصر في تلك الليلة شاحبًا، وصوته منكسرًا حزينًا. وما إن انتهى من خطاب التنحي حتى خرجت مصر بقضها وقضيضها، على بكرة أبيها، في حشود بالغة الكثافة، اكتظت بها شوارع مصر وميادينها ومدنها وقراها، لتعلن رفضها تنحي الزعيم الجريح، وعدم اعترافها بالهزيمة. فتراجع ناصر عن التنحي، وأنشأ يعيد بناء الجيش، ويمضي في طريق التنمية.
وما بين عامي 1967م و1973م، كانت سنوات من حرب استرداد الكرامة، حيث حرب الاستنزاف التي كبدت الكيان الصهيوني خسائر فادحة في الأرواح والسلاح والعتاد. كنا نسمع أحاديث أبناء القرية من المجندين عن تلك العمليات الفدائية التي يقوم بها الجيش المصري، فترد إلينا أرواحنا، ونشعر بالأمل في نصر نهائي قريب. سادت بين المصريين جميعهم روح التضحية والفداء والتماسك الاجتماعي، والتفوا حول زعيمهم، ووقفت الجبهة الداخلية موقفًا وطنيًا نبيلًا.
حتى كان يوم السادس من أكتوبر، حيث عبرت قواتنا المسلحة الباسلة قناة السويس، واخترقت الساتر الترابي، ودمّرت النقط الحصينة في خط برليف المنيع، وتساقط جنود الاحتلال في الأسر وفي قبضة جنودنا البواسل. كنا نتابع البيانات العسكرية بلهفة وشوق، ونتابع مشاهد الأسرى الصهاينة من الجنود وكبار القادة، يعلو وجوههم الذل والخزي والمهانة، وهم يدلون بحواراتهم عبر التلفاز المصري.
لقد عمّت الفرحة قلب كل مصري وعربي، وارتفعت الأعلام المصرية مرفرفة فوق سيناء. فلقد عبر أبطالنا مأساة أمتهم، بعد أن دحروا قوات الكيان الصهيوني، وأرغموا أنوفهم في التراب، واندثرت مزاعم الصهاينة، وانكشفت سوأتهم، وانكسر غرورهم. وتحول ذلك الكيان الصهيوني إلى مأتم كبير، يتلقى العزاء في هزيمة منكرة كان يظنها مستحيلة، ولكنها ها هي ذي قد تحققت، ليؤمن هذا النبت الشيطاني أن مصر هي مقبرته على امتداد الزمن، لأن مصر ستبقى دائمًا وأبدًا مقبرة للغزاة.