لم يكن اغتيال القذافي حدثًا عابرًا في سياق الفوضى الليبية، ولا مجرد تصفية جسدية لشخصية مثيرة للجدل، بل جاء كحلقة مفصلية في مشروع أوسع استهدف تفكيك الدولة الليبية وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالح خارجية. فالاغتيال، بتوقيته ودلالاته، فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول حقيقة ما جرى، ومن يقف خلفه، ولماذا لا تزال ليبيا عالقة في دوامة الفوضى والانقسام دون أفق واضح للحل أو الاستقرار.
الاغتيال كأداة لإدامة الفوضى
وفي هذا السياق، يرى الدكتور حامد جبر، المحلل السياسي، أن اغتيال القذافي لا يمكن تفسيره على أنه خطوة لمنع سيف الإسلام القذافي من الترشح للانتخابات الرئاسية فقط، بل مثل أداة مباشرة لإبقاء الوضع الليبي على حاله، ومنع أي مسار جاد لتفكيك منظومة الفوضى المفروضة على البلاد.
مشروع غربي لتجميد الأزمة
وأكد جبر، أن أحد الأهداف الأساسية للاحتلال الغربي غير المعلن لليبيا كان تجميد الأزمة، بحيث تظل الدولة عاجزة عن إنتاج حلول وطنية مستقلة، أو صياغة ترتيبات سياسية وأمنية تُفضي إلى إنهاء وجود القوى الأجنبية وأدواتها.
شبهات التخطيط والتنفيذ
وأشار المحلل السياسي، إلى أن الشكوك تزايدت حول تورط جهات أجنبية في التخطيط والتمويل لعملية الاغتيال، مع الاعتماد على أطراف داخلية للتنفيذ، في نمط متكرر يعكس إدارة الصراعات بالوكالة داخل ليبيا.
رفض دفن الجثمان ودلالاته السياسية
ولفت إلى أن رفض خليفة حفتر طلب قبيلة القذاذفة بدفن جثمان الراحل في مسقط رأسه أثار علامات استفهام كبرى، خاصة في ظل التخوف من تحوّل الجنازة إلى استفتاء شعبي جديد على مكانة القذافي وقبيلته داخل المشهد الليبي.
الخوف من عودة المشروع الوطني
وأكد الدكتور حامد، أن هواجس بعض الأطراف تمثلت في احتمال عودة مشروع وطني جامع تقوده قوى اجتماعية وقبلية، يهدف إلى توحيد التراب الليبي، وإنهاء حالة التفتيت، ووضع حد لمعاناة المواطن الليبي تحت سطوة الميليشيات المسلحة.
الثروات الليبية كدافع أساسي
وأوضح، أن الثروات الليبية مثلت أحد أهم دوافع استمرار الفوضى، إذ أتاح غياب الدولة المركزية بيئة مثالية لنهب الموارد دون رقيب أو حسيب، بما يخدم مصالح قوى دولية متعددة.
الأبعاد الإقليمية واستهداف مصر
ورأى، أن استمرار الوضع الراهن في ليبيا صب في مصلحة الكيان الصهيوني، باعتباره أداة ضغط غير مباشرة على مصر، وتشتيتًا لجهودها في مواجهة مخططات إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.
حفتر ودعم الميليشيات
وأشار حامد إلى أن دعم خليفة حفتر لبعض الميليشيات السودانية وتزويدها بالسلاح أكد تشابك الأزمة الليبية مع صراعات إقليمية أوسع، وكشف عن استخدام ليبيا كساحة نفوذ متداخلة المصالح.
فرض المشاريع بالقوة
وشدد د. حامد على أن الدول التي شاركت في تدمير ليبيا ما زالت تعمل على فرض مشاريعها بالقوة، في مشهد يعكس منطق الهيمنة ذاته الذي تتبناه الإدارة الأمريكية في أكثر من ساحة دولية.
اغتيال سيف الإسلام.. حقيقة لا شائعة
وأكد دكتور حامد جبر أن اغتيال سيف الإسلام القذافي كان حقيقة قائمة وليست شائعة، غير أن هذه الخطوة، مهما كانت قسوتها، لم تنجح في منع الشعب الليبي من إنتاج قيادات وطنية جديدة قادرة على حمل مشروع الإنقاذ.
واختتم حامد بالتأكيد على أن اغتيال الأفراد لا يعني اغتيال الأفكار أو المشاريع الوطنية، فليبيا، رغم الجراح، ما زالت قادرة على استعادة وحدتها، وإنهاء زمن الفوضى، وفرض إرادة شعبها في مواجهة كل أشكال التدخل والهيمنة.
سيف الإسلام القذافي ووزنه داخل المشهد الليبي
في هذا الإطار، أضاف دكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن سيف الإسلام القذافي تمتع بشعبية كبيرة داخل ليبيا، خاصة بين مؤيدي النظام السابق، مشيرًا إلى أن هذه القاعدة الشعبية مثلت كتلة وازنة وقادرة، في حال انضمامه إلى أي فصيل سياسي أو عسكري، على ترجيح كفته داخل معادلة الصراع الليبي. وأوضح دكتور حسن سلامة أن سيف الإسلام كان معنيًا في أواخر حكم القذافي بعدد من القضايا المهمة، سواء على المستوى الداخلي أو في الإطار الإقليمي.
سيف الإسلام كمخزن أسرار وفرصة استثمار مؤجلة
وأوضح دكتور حسن سلامة أن سيف الإسلام امتلك تركيبة خاصة جعلته بمثابة “مخزن أسرار” يمكن الاستفادة منه سياسيًا، لافتًا إلى أن فكرة استثماره مرحليًا كانت مطروحة في مرحلة سابقة. وأكد أن المؤشرات الحالية توضح أن هذا الاستثمار المرحلي تم تأجيله أو خروجه بالكامل من الحسابات، وهو ما عكسته واقعة تصفيته.
تأكيد واقعة الاغتيال ونفي الشائعات
وأكد دكتور حسن أن ما حدث كان اغتيالًا فعليًا وليس مجرد شائعة كما تم تداوله، مشيرًا إلى أن رئيس الفريق السياسي عبد الله عثمان أكد ذلك من خلال تدوينة صريحة.
وأضاف أن هذا التأكيد نفى محاولات الترويج لروايات مضللة حول مصير سيف الإسلام.
السوشيال ميديا كأداة حرب نفسية
وأشار د. حسن إلى أن السوشيال ميديا باتت أداة رئيسية في حروب الجيل الجديد، من خلال نشر الدعايات والشائعات والأخبار الكاذبة. وأوضح أن بعض الشائعات كان لها ظل من الحقيقة، بينما استخدم بعضها الآخر لجس النبض أو لإرباك الرأي العام، أو لطرح سيناريوهات واحتمالات متعددة تخدم أهدافًا مختلفة، مؤكدًا أن خطورة السوشيال ميديا تكمن في سرعة الانتشار وصعوبة التحقق وقدرتها على استلاب العقول.
ملابسات الاغتيال والغموض المحيط بالجهة المنفذة
وأوضح سلامة أنه رغم التأكيد على واقعة الاغتيال، إلا أنه لم توجد حتى الآن معلومات أو بيانات دقيقة حول الجهة التي نفذته.
وأضاف أن الروايات أشارت إلى دخول أربعة أشخاص مسلحين وملثمين في اشتباك مباشر معه، انتهى بتصفيته، لافتًا إلى أن بعض الأقاويل تحدثت عن تورط وحدة عسكرية من قوات “الدعم الرباعي”، إلا أن هذه المعلومات لم تثبت حتى الآن.
تداعيات الاغتيال على الداخل الليبي
وأكد دكتور حسن سلامة أن النتيجة الأهم لهذه الواقعة تمثلت في تضييق فرص التقارب بين الفصائل الليبية، مشيرًا إلى أن سيف الإسلام كان يمثل عنصر توازن داخل المشهد الليبي نظرًا لشعبيته. وأضاف أن غيابه عكس حالة من الارتباك الداخلي، وأكد استمرار غياب الحلول السياسية، بما عمّق حالة الانسداد في الأفق الليبي.
أطراف إقليمية مستفيدة وانعكاسات على دول الجوار
وشدد دكتور حسن سلامة على أن هناك أطرافًا إقليمية استفادت من استمرار حالة عدم الاستقرار في ليبيا، حيث امتلكت هذه الأطراف مصالح مرتبطة بالثروات والعوائد الليبية، على حساب أبناء الدولة.
وأوضح أن هذا الواقع لم يؤثر على ليبيا وحدها، بل امتد إلى دول الجوار من خلال زيادة معدلات الهجرة غير الشرعية، وتهريب السلاح، وظهور ميليشيات وأفكار متطرفة، بما هدد الأمن الإقليمي ككل.