في قرية خزام بمحافظة قنا، خسرت سارة حمدي حياتها. الطفلة ذات السبعة عشر عامًا رغم صغر سنها افتقدت طوال عمرها معاني العائلة والرحمة والاستقرار.
رحلة سارة حمدي
سارة مثل أي فتاة في عمرها؛ هادئة، تحترم الجميع، قليلة الكلام. انفصل والداها في طفولتها، وتزوجت والدتها كما تزوج والدها بعد الانفصال.
عاشت سارة في البداية مع والدها، وبعد إنهائها المرحلة الابتدائية استطاعت الأم الفوز بقضية الحضانة، فعادت الطفلة إلى حضن والدتها مرة أخرى، وظلت معها ما يقرب من أربع سنوات. وعلى الرغم من وجود زوج والدتها، إلا أنه –بشهادة أهالي القرية– كان حنونًا عليها ويعاملها كابنة له.
بداية الاختفاء
ظلت سارة تتنقل بين منزل والدتها ومنزل والدها، حتى إنها منذ عام ذهبت إلى والدها، ولم يرها أحد بعد ذلك. وعندما كانت والدتها تحاول الاطمئنان عليها، كان يجيبها بأنها بخير. وأخبر الجميع في البداية أنها تقيم في منزل جدتها من جهة الأب، وحين ذهب أشقاء الأب للسؤال عنها –بعد إصرار طويل من الأم– لم يجدوها هناك. فأخبرهم أنها مقيمة في منزله وأنها بخير، واكتفى الجميع بهذه الكلمات دون أن يحاول أحد رؤيتها.
ومضت أشهر دون أي زيارة أو مكالمة من سارة، وسط إصرار الأب على ألا يراها أحد. ومع محاولات بعض أقاربه التدخل، كان يتحجج دائمًا ويعتذر عن مقابلتهم، حتى أصبح مؤكدًا أن هناك شيئًا خاطئًا.
التقييد
كانت الحقيقة الصادمة، ليس للعائلة فقط بل لأهالي القرية جميعًا، أن سارة كانت طوال العام الماضي حبيسة غرفة مغلقة تمامًا، مع كميات قليلة من الطعام والماء، مقيدة بالسلاسل في يديها ورجليها وركبتيها، حتى ذبل جسدها وأصبحت نحيلة، وظهرت آثار الحديد على جسدها الهزيل.
وعندما أدرك الأب وفاة سارة نتيجة تعذيبه لها، حاول استخراج تصريح دفن وشهادة وفاة من الوحدة الصحية، إلا أنهم رفضوا دون رؤية الجثمان. ثم توجه إلى المستشفى دون جدوى، وذهبت معه سيارة الإسعاف لنقل جثمان سارة، ليتبين لاحقًا أن الوفاة كانت نتيجة الجوع والتعذيب.
لم ينكر الأب ما فعله من حبس وتجويع لابنته، وقال في التحقيقات إنها كانت تعاني مرضًا نفسيًا، وإن حبسه لها كان بدافع حمايتها، منكرًا تعذيبه لها. وعلى الرغم من أن الأب كان معروفًا داخل القرية، وشخصًا متعلمًا، ويعامل أبناءه من زوجته الثانية معاملة جيدة، فإن ما فعله بابنته صدم الجميع.
تراكم العنف
قالت الدكتورة بسمة سليم، أستاذة علم النفس، إن التفسير النفسي لوصول أب إلى تعذيب ابنته حتى الموت لا يمكن اختزاله في سبب واحد، موضحة أن الواقع الإكلينيكي يشير غالبًا إلى خليط معقد من الاضطرابات النفسية والسلوك العنيف المتراكم، وليس حالة جنون مفاجئة. وأكدت أن الكثير من الجناة يكونون واعين تمامًا بأفعالهم ويميزون بين الصواب والخطأ، لكنهم يفتقدون التعاطف أو الشعور بالذنب، وهو ما يظهر في أنماط شائعة مثل اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع أو النرجسية المتطرفة، إلى جانب سمات سادية واضحة.
وأضافت بسمة أن العنف الأسري المفرط لا يبدأ فجأة، بل يتصاعد تدريجيًا؛ حيث يبدأ بالإهانة، ثم الضرب الخفيف، ويتطور إلى الحرمان، قبل أن يصل إلى التعذيب.
ومع هذا التصاعد يفقد الجاني الإحساس بإنسانية الضحية، ويصبح العنف سلوكًا طبيعيًا لديه. وأشارت إلى أن من أخطر الآليات النفسية المصاحبة لهذه الحالات ما يُعرف بـ”نزع الإنسانية”، حيث لا يعود الجاني يرى الطفلة كابنته، بل كعبء أو عدو، إلى جانب آليات أخرى مثل الإسقاط والتبلد العاطفي، مؤكدة أن هذه الحالات لا تعني فقدان العقل بقدر ما تعكس اختلالًا نفسيًا وأخلاقيًا شديدًا.
وأوضحت أستاذة علم النفس أن العنف الأسري غالبًا ما تسبقه مؤشرات تحذيرية واضحة، مثل التهديدات المتكررة، والضرب، وعزل الطفل عن المدرسة أو الأقارب، والحرمان من الطعام أو العلاج، وظهور حالة خوف مرضي لدى الضحية، إضافة إلى كدمات تُبرر بحجج واهية، وسيطرة مفرطة على أدق تفاصيل الحياة اليومية.
وعن عدم التقاط هذه المؤشرات في كثير من الأحيان، أوضحت أن ذلك يعود إلى ثقافة عدم التدخل، وتبرير العنف باسم التربية، وخوف الأسرة الممتدة، فضلًا عن لجوء الضحية نفسها إلى إخفاء ما تتعرض له.
تلذذ بالتحكم
وفيما يتعلق بحبس طفلة وتجويعها لفترة طويلة، أكدت أن هذا النمط من السلوك يخرج تمامًا عن إطار الغضب اللحظي، ويدخل في نطاق العنف المنهجي، حيث يعكس سيطرة مرضية وشعورًا بالقوة المطلقة، والتلذذ بالتحكم في حياة الآخر، مع فقدان كامل للتعاطف ورؤية الضحية كشيء لا كإنسان. وشددت على أن الاستمرار في الإيذاء رغم مشاهدة المعاناة لا يمكن اعتباره تأديبًا بأي حال، بل هو تعذيب صريح.
وقالت الدكتورة بسمة، عن الأسباب النفسية التي تدفع بعض الضحايا إلى التنازل عن محاضر ضد المعتدي، إن الخوف يأتي في المقدمة، سواء كان خوفًا مباشرًا من التهديد، أو خوفًا على الإخوة، أو من القتل.
وأضافت، أن التعلق الصدمي يلعب دورًا كبيرًا، حيث ترتبط الضحية عاطفيًا بالمعتدي، وتخلق فترات الهدوء أملًا زائفًا في التغيير، إلى جانب شعور عميق بالذنب، واعتمادية مادية واجتماعية وعاطفية. ولفتت إلى أن كثيرًا من الضحايا لا يتنازلون لأنهم لا يريدون النجاة، بل لأنهم لا يرون طريقًا آمنًا لها.
سمات الناجين
وحذرت الدكتورة بسمة سليم من الآثار النفسية طويلة المدى على الأطفال الذين ينجون من تجارب عنف مشابهة، والتي قد تشمل اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب المزمن، والقلق الحاد، وصعوبة الثقة، والشعور الدائم بعدم الأمان، وتشوه صورة الذات.
وأوضحت أن بعض هؤلاء الأطفال قد يصبحون ضحايا دائمين في المستقبل بسبب تطبيع العنف داخل وعيهم، بينما قد يتحول آخرون إلى جناة في حال غياب العلاج النفسي، واستمرار الألم دون تفريغ، وغياب أي نموذج صحي بديل للعلاقات الإنسانية.
بيئات العنف
قالت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن تعامل المجتمع مع العنف داخل الأسرة باعتباره شأنًا عائليًا خاصًا يسهم بشكل مباشر في استمرار مثل هذه الجرائم. وأشارت إلى أن العنف الأسري لا يمكن عزله عن السياق الاجتماعي والتربوي الذي ينشأ فيه الفرد، موضحة أن بعض الآباء نشأوا داخل بيئات تمارس العنف، ما يجعلهم أكثر قابلية لإعادة إنتاجه، بينما يتمتع آخرون بالصبر والقدرة على الحوار، وهو ما يعكس اختلاف الطباع والخلفيات الاجتماعية.
وأضافت أن المجتمع المصري كان يمتلك سابقًا أدوات فعالة للتوعية، قائلة: “كان لدينا إعلام توعوي حقيقي، وبرامج للأسرة والطفل تسهم في تهذيب السلوك وبناء الوعي، مثل برامج الإذاعة والتليفزيون التي كانت تُقدم بهدوء وتحترم عقل الإنسان”، مؤكدة أن غياب هذا الدور التنويري حاليًا ترك فراغًا خطيرًا.
ووجهت أستاذة علم الاجتماع انتقادًا لمحتوى بعض الأعمال الإعلامية المعاصرة، معتبرة أنها لا تؤدي دورًا تثقيفيًا أو تربويًا، بل تشجع على التفاهة والعنف، قائلة إن الإعلام اليوم يملأ الوقت دون أن يملأ العقول، في وقت يحتاج فيه المجتمع إلى خطاب يخفف التوتر ويعلم الناس كيفية التعامل الإنساني داخل الأسرة.
وشددت خضر على أن المجتمع المصري بطبيعته مجتمع متدين ومسالم، وأن القيم الدينية والأخلاقية في جوهرها لا تبرر العنف، بل تدعو إلى الرحمة والاحتواء، مشيرة إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الغذاء الفكري والتربوي والاجتماعي داخل الأسرة.
بلاغات العنف الأسري
وأرجعت خضر اعتبار بعض البيئات لبلاغات العنف الأسري “فضيحة” إلى نقص الوعي الاجتماعي، وغياب التعليم النفسي والاجتماعي داخل المدارس والمؤسسات، مؤكدة أن المجتمع أصبح منشغلًا بتلبية الاحتياجات المعيشية الأساسية على حساب بناء الإنسان.
وفي حديثها عن الحلول، أكدت أن الطفل هو الضحية الأولى في هذه الوقائع، ولا يمكن تحميله أي مسؤولية، مشددة على أن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الأب والأم، قائلة: “الإنجاب مسؤولية، وليس مجرد فعل بيولوجي، ومن لا يملك القدرة على التربية والاحتواء لا يجب أن يقدم على الإنجاب”.
وأكدت خضر، ضرورة إعادة الاعتبار لدور وزارتي الإعلام والثقافة، وتسليط الضوء على النماذج الإيجابية والعظماء في المجتمع، ليكونوا قدوة حقيقية للأجيال الجديدة، بدلًا من ترك الساحة فارغة أمام محتوى يفتقر إلى القيم والمعنى.
ولا تزال التحقيقات جارية فيما حدث، وتم حبس الأب 15 يومًا على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد له. ولا تزال هناك العديد من الأسئلة المجهولة حتى الآن:
كيف لم ينتبه أحد لصراخ سارة طوال عام كامل؟
وكيف لم تدرك زوجته وأبناؤه ما يحدث لشقيقتهم المقيمة معهم في المنزل نفسه؟
ربما انتهت حياة سارة، وفي انتظار تحقق العدالة في هذه القضية، لكن لا يزال هناك العديد من الفتيات اللاتي لم تُروَ حكاياتهن بعد. هناك صمت وتواطؤ وخوف وعنف يختبئ خلف ستار “التربية والتقويم”.