قد يجد المواطن نفسه أمام أسعار أعلى لسلع موجودة بالفعل في الأسواق، قبل أن تنفد أو يضطر التجار إلى استيراد بدائل لها بتكلفة أكبر. هذا ما تحذر منه الدكتورة حنان رمسيس، خبيرة الأسواق المالية، مع تجاوز سعر الدولار 55 جنيهًا، إذ توضح أن التجار قد يحتسبون تكلفة إعادة شراء السلع مستقبلًا عند تحديد أسعار مخزونهم الحالي، تحسبًا لاستمرار ارتفاع العملة وتكاليف الاستيراد.
سجل سعر الدولار في البنك المركزي المصري 55.24 جنيه للشراء و55.38 جنيه للبيع، وفقًا للأرقام الواردة في بيانات الأسعار المصرفية. وفي البنك الأهلي المصري والبنك التجاري الدولي (CIB) وبنك الإسكندرية، بلغ السعر 55.25 جنيه للشراء و55.35 جنيه للبيع.
وفي بنك مصر، سجل الدولار 55.23 جنيه للشراء و55.33 جنيه للبيع، بينما بلغ في بنك القاهرة 55.18 جنيه للشراء و55.28 جنيه للبيع.
ولا تتوقف تداعيات هذه التحركات عند سوق الصرف، إذ ينعكس ارتفاع تكلفة العملة الأجنبية على المستوردين الذين يحتاجون إلى تدبير الدولار لشراء السلع والخامات من الخارج، بما يفتح الباب أمام انتقال جزء من هذه الزيادة إلى المستهلكين.
لماذا يرتفع الدولار؟
تربط الدكتورة حنان رمسيس، خبيرة الأسواق المالية، ارتفاع الدولار محليًا بزيادة قيمته عالميًا، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية يدفع بعض الاستثمارات إلى التحول نحو أدوات الدين الأمريكية، بما يعزز جاذبية الدولار ويؤثر على تدفقات الاستثمار إلى الأسواق الناشئة.
وتقول رمسيس لـ«القصة» إن ارتفاع سعر الدولار ينعكس على الأسعار المحلية، في ظل اعتماد مصر على استيراد عدد كبير من السلع من الخارج، وهو ما يجعل تكلفة الاستيراد مرتبطة بتحركات سعر الصرف، فضلًا عن تأثر السوق المحلية بارتفاع أسعار السلع عالميًا.
ولا يتوقف تأثير ارتفاع الدولار، بحسب الخبيرة، عند تكلفة السلع المستوردة مباشرة، بل يمتد إلى حسابات التجار والمنتجين، الذين قد يرفعون أسعار المنتجات الموجودة لديهم بالفعل تحسبًا لارتفاع تكلفة إعادة شرائها أو استيراد الخامات اللازمة للإنتاج.
وتوضح رمسيس أن التاجر الذي يمتلك مخزونًا من السلع قد يضع في حساباته تكلفة الشراء المستقبلية، حتى يتمكن من مواصلة نشاطه وتوفير مخزون جديد، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع قبل نفاد الكميات الموجودة في السوق.
وتتوقع أن تؤدي هذه العوامل إلى زيادة الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة، إذا استمر ارتفاع الدولار وتكاليف الاستيراد.
من يستفيد ومن يدفع الثمن؟
لا تتوزع آثار ارتفاع الدولار بالتساوي بين القطاعات الاقتصادية؛ فبينما قد تستفيد بعض الأنشطة التصديرية من زيادة قيمة الإيرادات المحققة بالعملة الأجنبية عند تحويلها إلى الجنيه، تواجه القطاعات المعتمدة على استيراد مستلزمات الإنتاج ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع تكاليفها.
وتشير رمسيس إلى أن بعض القطاعات المصدرة، ومنها الصناعات الكيماوية التي تبيع منتجاتها في الخارج، قد تستفيد من ارتفاع الدولار، كما تتأثر البنوك بتحركات العملة وفقًا لطبيعة تعاملاتها ومراكزها المالية.
في المقابل، تواجه الأنشطة التي تعتمد على استيراد الخامات ومستلزمات الإنتاج ارتفاعًا في التكلفة، وهو ما قد ينعكس على أسعار المنتجات النهائية، ويزيد الأعباء على المستهلكين.
ويمتد التأثير كذلك إلى سوق أدوات الدين المصرية؛ إذ توضح رمسيس أن تحركات سعر الصرف قد تؤثر على قرارات المستثمرين الأجانب، الذين يضعون في حساباتهم تكلفة تحويل أموالهم وأرباحهم من الجنيه إلى الدولار. فارتفاع الدولار عند التخارج قد يقلل العائد المحقق بعد التحويل، بما قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة النظر في توقيت خروجهم من السوق.
هل يملك البنك المركزي وحده الحل؟
ترى رمسيس أن مسار الدولار خلال الفترة المقبلة يرتبط بعوامل عدة، من بينها قدرة البنك المركزي على إدارة سوق الصرف، إلى جانب حركة الأموال الداخلة والخارجة من السوق وتطورات الأسعار العالمية.
وتدعو إلى متابعة تحركات العقود الآجلة للدولار خلال بقية العام، باعتبارها أحد المؤشرات التي يمكن الاستعانة بها لفهم توقعات السوق بشأن سعر الصرف، مع التأكيد أن هذه المؤشرات لا تحسم وحدها اتجاه الدولار مستقبلًا.
وتصف رمسيس نظام سعر الصرف في مصر بأنه مرونة مُدارة وليست مرونة فعلية كاملة، معتبرة أن تدخلات البنك المركزي وقدرته على إدارة سوق النقد الأجنبي من العوامل المؤثرة في حركة العملة.
لكن إدارة سعر الصرف لا تنهي وحدها مشكلة اعتماد الاقتصاد على الاستيراد؛ فكلما احتاجت السوق إلى الدولار لتوفير السلع والخامات، ظلت الأسعار المحلية معرضة لتأثيرات تقلباته، بما يجعل تقليل الاعتماد على الخارج وزيادة القدرة الإنتاجية المحلية جزءًا أساسيًا من معالجة المشكلة.