بين تأكيدات للكاتب الراحل محمد حسنين هيكل بأن الرئيس السادات لم يكن محبًا للقراءة، وكان اطلاعه على الكتب يحدث في أضيق الحدود، وبين شهادات ومؤشرات أخرى يظل الخلاف قائمًا حول اهتمام الرئيس الراحل بالقراءة.
فبعض الشهادات والكتابات قالت إن علاقة الرئيس الراحل محمد أنور السادات يالقراءة والكتب كانت خاصة ولها شكل مختلف. حيث تمتَّع بالتنوع ما بين صنوف الكتب وأنواعها، وما هو عربي وأجنبي. ولعل الثابت أنه كان يمتلك مكتبة شخصية ثرية، أصبحت جزءًا من متحف السادات. وتنطوي تلك المكتبة على العديد من الكتب التي كان له فيها هوامش وتسطيرا يدل على قراءتها، وليس ضمها للمكتبة وحسب.
وصف خالد عزب، المشرف السابق على متحف السادات في مكتبة الإسكندرية، السادات، بأنه قارئ جيد.
حيث أكد في تصريحات سابقة أن مكتبة الرئيس الراحل تكشف الكثير عن طريقة تفكيره.
موضحا أن حتى نجاحه في حربه ضد إسرائيل لم يصدر فقط عن وجهة نظر سياسية واستراتيجية محكمة، بل أن تعمقه في فهم عدوه كان أحد أسباب النجاح، خصوصا أن مكتبته كانت تحتوي على الموسوعة اليهودية باللعة الإنجليزية. مؤكدا أن الراحل قرأها بشكل متأني، بدليل وجود علامات وتسطيرًا في بعض المواضع.
قراءة السادات عن العدو بدت واضحة أيضا في المفاوضات الطويلة مع إسرائيل. فطبقا لمختصين، قراءة السادات عن الطرف الآخر وتاريخه ومجتمعه ساعدته كثيرا في الطريقة التي تعامل بها خلال مفاوضات السلام معهم، ومكَّنته لحصد المكاسب على حسابهم.
“من لا يقرأ، لا يكتب”.. والرئيس الراحل بدأ بكتابة المقالات في وقت مبكر. وصدر له عدة كتب، منها “القاعدة الشعبية” عام 1953، ثم “قصة الثورة كاملة” عام 1965، ثم “يا ولدي هذا عمك جمال” 1958، عن عدة مقالات متسلسلة له. وربما كان أشهر كتبه هو آخرها، الصادر عام 1978، بعنوان “البحث عن الذات.. قصة حياتي”.
وبحسب شهادات كان الرئيس الراحل أنور السادات محبا للكتب السياسية، خصوصا تلك التي تجعله على معرفة بالآخر. كما كان يحب الأدب الساخر، وهو ما ظهر بوضوح خلال فترة سجنه بعد اتهامه في قضية اغتيال أمين عثمان. حيث مارس الكتابة الأدبية الساخرة، وشارك في إصدار صحيفة داخل السجن.
يقول الكاتب الصحفي والباحث محمد الشماع إن الرئيس الراحل محمد أنور السادات كان قارئًا نهمًا لشتى صنوف الكتابة. فلم يثبت أنه فضّل نوعًا معينًا منها، بل كان بانوراميًا في قراءاته، فجزء كبير من مكتبته التي تحتفظ بها «مكتبة الإسكندرية» تزخر بشتى صنوف الموضوعات.

ويضيف: “الزميلة الصحفية إسراء إسماعيل قدمت قراءة جيدة في المؤلفات الموجودة بمكتبته، والتي بلغت 313 مؤلفًا، من بينها كتب أدبية منها: «اتجاهات الشعر العربي المعاصر» للدكتور إحسان عباس، «قصائد للسلام، الشعر العراقي الحديث والتيارات السياسية والاجتماعية» للدكتور يوسف عز الدين، و«إلياس فرحات.. شاعر العرب في المهجر» لسمير بدوان قطامي”.
ويتابع: “المكتبة ضمت أيضا كتبا سياسية مثل «الأقباط في الحياة السياسية المصرية» تأليف د. سميرة بحر وتقديم د. علي أحمد عبد القادر، و«التاريخ السري لمصر» لمحسن محمد، و«6 أكتوبر.. الحرب الإلكترونية الأولى» لمحمد عبد المنعم. ومنها كذلك كتب فكرية مثل: «أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي» دراسة وتعليق د. محمود فهمي حجازي، و«نظام الحكم في الإسلام» تأليف د. محمد يوسف موسى، و«الديمقراطية والتربية» تأليف جون ديوي وترجمة د. نظمي لوقا، و«النهج الإسلامي لماذا؟» لجعفر محمد نميري، و«امرأتنا في الشريعة والمجتمع» للطاهر الحداد.
ويوضح الشماع أن وجود هذه الكتب من بين مقتنيات السادات لا يعني بالضرورة قراءاتها جميعا، إلا أنه قال في كتابه «البحث عن الذات» إن فترة وجوده في السجن خلال الأربعينيات من القرن الماضي على خلفية عدد من التهم، شهدت تكوينه الفكري، وعلمته القراءة بنهم شديد، بل وعلمته عددًا من اللغات، حيث ذكر في سيرته أن معظم قراءاته كانت باللغة الإنجليزية، وأنه دوّن الكثير من القصائد والحكم والأقوال والتلخيصات في كراسة سماها «كراسة السجن».
ويشير الشماع إلى أن السادات ذكر في حوار له بمجلة «تايم» الأمريكية، في عدد 2 يناير 1978، أنه قرأ روايتي «Magnificent Obsession» للويد سي دوجلاس، و«The Sea Wolf» لجاك لندون، وقال إن الأخيرة تركت أثرًا كبيرًا في نفسه. كما يذكر أرشيف الـ«تايم» المتاح بسهولة على الإنترنت إنه في إحدى زياراته إلى نيويورك كان يبحث في مكتبات الكتب القديمة عن روايات أخرى لدوجلاس.
ويردف: “السادات كان يقرأ لأدباء مصريين بالطبع، حيث كان أقربهم له توفيق الحكيم، وقد ذكر أثناء إحدى زياراته لجريدة «الأهرام» إنه ظل يقرأ لتوفيق الحكيم لمدة أكثر من 20 شهرًا متواليًا. بينما ثبت بالقطع أنه كان يقرأ لعباس محمود العقاد، حيث أن الرئيس السادات كتب مقدمة لكتابه «حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» الذي صدر عن منظمة المؤتمر الإسلامي وقتما كان الرئيس الراحل سكرتيرًا عامًا للمنظمة، حسب مقال لرجائي عطية في موقع «الشروق»”.
ويختتم الشماع حديثه لـ”القصة” قائلا: “من يقرأ حوارات السادات الصحفية -على وجه التحديد- سوف يكتشف بما لا يدع مجالاً للشك أن ثقافة الرئيس الراحل ليست مجرد حصيلة كتب قرأها، وإنما كانت تجربة نضجت مع احتكاكه بالواقع والتحولات المجتمعية والفكرية، وبالتأكيد السياسية، التي ربما اكتسب فهمه إياها عبر قراءاته الفكرية”.