أعاد الحديث عن تقديم مشروع لتعديل قانون الإيجار رقم 164 لسنة 2025 فتح ملفٍ حُسم تشريعيًا ودستوريًا بعد سنوات طويلة من الجدل والمداولات، في محاولة تبدو أقرب إلى إعادة إنتاج الأزمة منها إلى حلها، وتقوم – في جوهرها – على قراءة انتقائية لأحكام المحكمة الدستورية العليا.
قانون 164 لسنة 2025: قانون صحح القانون الاستثنائي
قانون الإيجار 164 لسنة 2025 ليس تشريعًا عاديًا، بل قانون صدر لمعالجة وضع شاذ استقر لعقود بالمخالفة لأحكام الدستور، وفرض توازنًا مختلًا أضرّ بحقوق الملكية وأخلّ بمبدأ العدالة الاجتماعية المتوازنة.
وقد جاء هذا القانون بعد جهد تشريعي وسياسي بالغ، استهدف الانتقال التدريجي المنضبط من الامتداد الأبدي لعقود الإيجار إلى مهلة انتقالية زمنية محددة (7 سنوات للسكني و5 لغير السكني)، دون طرد فجائي أو صدمة اجتماعية.
الاستناد إلى حكم الدستورية 2002.. قراءة منقوصة
يُثار دائمًا حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر عام 2002 باعتباره سندًا لإلغاء إنهاء العقود، بينما يتم تجاهل حقيقة جوهرية، وهي أن:
المحكمة الدستورية العليا أصدرت منذ عام 1999 نحو 39 حكمًا بشأن قوانين الإيجار القديم.
26 حكمًا منها قضت بعدم دستورية نصوص الإيجار القديم لمساسها بحق الملكية ومبدأ المساواة والعدالة.
فلماذا لا يُذكر من هذه الأحكام سوى حكم 2002 فقط؟
ولماذا يتم تجاهل السياق الكامل لاجتهاد المحكمة، والتمسك بحكم واحد يتم اجتزاؤه من منظومته الكلية؟
الحقيقة أن حكم 2002 لم يُقرر امتدادًا أبديًا، بل عالج حالة انتقالية محددة، ولا يجوز تحويله إلى مظلة لتعطيل أي إصلاح تشريعي لاحق، خاصة بعد تراكم أحكام دستورية لاحقة رسّخت ضرورة إنهاء هذا الوضع الاستثنائي.
تقسيم المناطق.. تنظيم لا تمييز
القول بعدم دستورية تقسيم المناطق إلى مميزة ومتوسطة واقتصادية يفتقر للدقة الدستورية؛ إذ إن:
التمييز المحظور هو التمييز التحكمي.
أما التمييز القائم على أسس موضوعية اقتصادية وعمرانية، فهو تنظيم مشروع معمول به في الضرائب والتخطيط والتثمين العقاري.
وإذا شابت التطبيق بعض الاختلالات، فالعلاج يكون بتصويب اللائحة التنفيذية، لا بهدم البناء التشريعي بأكمله.
قاضي الأمور الوقتية: توازن لا إخلال
منح المالك حق اللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية لا يُخل بالمساواة أمام القضاء، لأن:
القرار وقتي لا يحوز حجية.
ولا يمنع المستأجر من اللجوء لقاضي الموضوع.
ويهدف لمنع التعسف في استغلال المهلة الانتقالية.
هل يُقبل الطعن الدستوري؟ وهل يُعدَّل القانون؟
الحديث بواقعية دستورية يفرض القول إن:
قبول الطعن أمام المحكمة الدستورية العليا غير مرجح، لأن القانون راعى التوازن بين حماية الملكية واعتبارات السلم الاجتماعي.
كما أن التعديل الجوهري للقانون غير مرجح سياسيًا وتشريعيًا، لأنه يُعد نكوصًا عن إصلاح تشريعي استقر، ويفتح باب الطعن هذه المرة من زاوية الإخلال بحقوق الملاك.
المرجح فقط هو:
تفسير تنفيذي،
أو تعديل لائحي،
أو معالجة حالات خاصة.
أما المساس بجوهر القانون أو إلغاء مادته الثانية، فذلك أمر مستبعد.
الخلاصة
إعادة فتح ملف الإيجار القديم بهذه الكيفية لا تمثل حلًا، بل عودة مربكة إلى نقطة الصفر، عبر استدعاء حكم واحد وإغفال عشرات الأحكام الأخرى، وتجاهل فلسفة الإصلاح التشريعي التي استقرت عليها الدولة.
والتشريع لا يُدار بالضغوط الشعبوية، بل بميزان الدستور.