رحل داود عبد السيد، لكنه بقي بكاميرا شاسعة وأسئلة مُجرب وعيني عارف؛ يحرك كاميرته على تفاصيل دقيقة يتأمل بها الناس وهم يهمسون حبا وخوفا، كان معهم إذ يتعثرون، يحلمون، ويخافون.
كان يعرف أن الحقيقة لا تُقال بصوت عالٍ، بل تُهمَس في مشهد طويل، أو صمت ثقيل، أو نظرة عابرة لشخص بسيط لا يلتفت إليه أحد. بعد وفاته نشعر أن السينما فقدت عينًا نادرة، عينًا لا تحاكم ولا تزيّن، بل ترى الإنسان كما هو: هشًا، متناقضًا، ومليئًا بالأسئلة. ترك لنا أفلامًا تشبهه؛ هادئة من الخارج، عميقة من الداخل، لا تنتهي مع التترات، بل تبدأ بعدها. وكأن داوود عبد السيد لم يرحل تمامًا، بل انسحب بهدوء، تاركًا لنا أفلامه كي تواصل النظر نيابة عنه وعنا، وفي أثر هذا الوداع الهاديء، نتذكر معًا أيقونته السينمائية “الكيت كات”، حين خلق من رحم الحارة عالمًا أكثر رحابة مما يحتمل الواقع.
يُعد فيلم الكيت كات (1991) أحد أبرز أفلام السينما المصرية في نهاية القرن العشرين، ليس فقط لما يحمله من قيمة فنية عالية، بل لأنه استطاع أن يقدم رؤية فلسفية وإنسانية عميقة للواقع المصري من خلال إطار بسيط ظاهريًا، يعتمد على الكوميديا السوداء والشخصيات الشعبية. الفيلم من إخراج داوود عبد السيد، وسيناريو إبراهيم أصلان (مأخوذ عن روايته مالك الحزين)، وبطولة محمود عبد العزيز في أحد أهم أدواره على الإطلاق.
البصيرة من قلب العمى
تُعد شخصية الشيخ حسني التي جسدها محمود عبد العزيز حجر الأساس في الفيلم. هو رجل كفيف، لكنه يرى أكثر من المبصرين، ويعيش حياته وكأنه يرفض الاعتراف بقيوده الجسدية والاجتماعية. يقود دراجة نارية، يتاجر في المخدرات، يعزف العود، ويتحدث بثقة مفرطة عن العالم.
العمى في الفيلم ليس مجرد إعاقة جسدية، بل رمز فلسفي، فالمبصرون في الفيلم عاجزون عن رؤية مستقبلهم أو تغيير واقعهم، أما الشيخ حسني، فرغم فقدانه للبصر، يمتلك وعيًا نافذًا وسخرية لاذعة من كل ما حوله، يمثل الشيخ حسني التمرد الصامت على واقع خانق، ويجسد فكرة أن الحرية قد تكون موقفًا داخليًا قبل أن تكون واقعًا ماديًا.
ينتمي «الكيت كات» إلى سينما الواقعية الجديدة، التي تهتم بتفاصيل الحياة اليومية للإنسان العادي، بعيدًا عن البطولات الزائفة أو النهايات المثالية. تدور أحداث الفيلم في حي الكيت كات الشعبي بإمبابة، حيث تتقاطع حكايات شخصيات بسيطة تعيش على هامش المجتمع، لكنها تحمل في داخلها أسئلة كبرى عن الحرية، والإرادة، والمعنى.
لا يعتمد الفيلم على حبكة تقليدية بقدر ما يعتمد على لوحات إنسانية متجاورة، تعكس حالة عامة من التيه والبحث عن الخلاص، سواء كان هذا الخلاص وهميًا أو حقيقيًا.
الحارة كمرصد فلسفي
في حيٍّ ضيق الشوارع، واسع الحكايات، اسمه الكيت كات، كانت الحياة تمشي ببطء، كأنها تفكر قبل أن تخطو. هنا لا شيء يحدث فجأة، ولا أحد يصل إلى ما يريد، لكن الجميع يحلم. أحلام صغيرة، متعبة، تشبه أصحابها.
في هذا الحي يسكن الشيخ حسني، رجل أعمى يرى الدنيا كما لا يراها المبصرون. لا يحتاج إلى عينين كي يعرف أن العالم معطوب، وأن الناس تركض في اتجاهات لا تؤدي إلى مكان. يمسك عوده كما يمسك بالحياة، ويضحك ضحكته الشهيرة ويسخر من كل شيء، حتى من نفسه.
لا يعترف الشيخ حسني بالظلام. يقود الموتوسيكل بثقة، يتاجر في الوهم، ويغني للحياة كما لو كانت ما تزال تستحق الغناء، هو ليس بطلاً، ولا حكيمًا تقليديًا، لكنه إنسان قرر ألا يستسلم، أصرّ أن يعيش كما يشاء، لا كما يُفرض عليه.
في الكيت كات؛ لا تأتي الكوميديا لتخفف الألم، بل لتفضحه. نضحك، ثم نتوقف فجأة، لأن الضحك يشبه الاعتراف. الاعتراف بأن هذا الحي يشبهنا، وأن هذه الشخصيات تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا. الضحك كمقاومة، وسلاح يعلو وجوه الفقراء حين تعجز أيديهم عن التغيير.
الابن “يوسف” (شريف منير) يحلم بالسفر، ليس حبًا في الغربة، بل كرهًا في البقاء. الأم تخاف، لأن الخوف صار عادة. الجيران يتكلمون كثيرًا عن الدين، وعن المال، وعن الغد، لكن الغد لا يأتي أبدًا. كلهم عالقون في المنتصف، بين ما هم عليه، وما لن يكونوا عليه أبدًا.الحي نفسه يتنفس. الجدران تسمع، والمقاهي تحفظ الأسرار، والأزقة تعرف خطوات الهاربين من أحلامهم. المكان ليس صامتًا، بل شاهد على بشر يشبهون بعضهم، لكن كل واحد منهم وحيد بطريقته.
لا يصرخ داوود عبد السيد في وجه المشاهد، بل يهمس له، يترك الكاميرا تتأمل، كما لو كانت عينًا ثالثة، ترى ما لا نراه نحن، لا يقدم فكرة مفروضة على المشاهد، بل يدعنا نغرق في التفاصيل، في الصمت، في نظرة، في ضحكة الشيخ حسني التي تخفي حزنًا عميقًا.
وحين ينتهي الفيلم، لا نشعر بأنه انتهى فعلًا، يظل الشيخ حسني عالقًأ في ذاكرتنا، يعزف عوده، ويضحك، كأنه يسألنا سؤالًا بسيطًا ومخيفًا في آن واحد: من الأعمى حقًا؟ من فقد بصره، أم من فقد قدرته على الحلم؟.
الكيت كات ليس فيلمًا عن حي شعبي، بل عن إنسان محاصر، يحاول أن يخترع لنفسه حرية، ولو كانت حرية مؤقتة، ولو كانت وهمًا جميلًا. وربما لهذا السبب، لا يزال الفيلم حيًا، لأن الوهم الجميل أحيانًا هو كل ما نملك لنواصل الحياة.