استراتيجية “تسكين الداخل”.. هذا هو النهج الأمريكي المتبع في جغرافيا المشرق العربي وفق سياسات البيت الأبيض الراهنة، ولكنها أي جبهات؟!.
هي الموالية لخط واشنطن حتى لو لديها مشاريع متعارضة، وخاصة تلك الفصائل التي تنتشر بالداخل السوري وقادت ذلك الحراك الذي دام سنوات وانتهى بصعود بعضها للسلطة في ديسمبر 2024، وتعمل واشنطن عبر سياسة “العصا والجزرة” إلى تقريب ودمج هذه الجماعات التي ساهمت في صناعتها بالنسبة الأكبر.
يتجلى هذا التقارب و”تسكين الجبهات” من خلال الجولات المتسارعة المتتالية التي قام بها مبعوث ترامب لدى سوريا توم باراك، لإتمام اتفاق الدمج بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” وسلطة أحمد الشرع “الأمر الواقع”، فبهذا تصنع واشنطن التقارب الأقوى والأهم في ارتكازها للخطوة القادمة بمخططها ضد العراق.
هذا الاتفاق الذي تم في يناير الماضي 2026 على مراحل، بدأت بضربات عسكرية متبادلة بدعم تركي لفصائل الشرع، وانتهت باتفاق دمج كلي ينهي “الحلم القسدي” بالحكم الذاتي، مرورًا بمرسوم أحادي من الشرع لا يضمن حقوقًا فعليةً، ثم توقيع مريب قام به رئيس سلطة الأمر الواقع نيابة عن الجنرال مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية، وهو الأمر الذي كشفته فيما بعد قيادات قسد بقولهم: “الجنرال لم يوقّع”.
أنهت واشنطن عمل قوات سوريا الديمقراطية، وسكنت جبهة النزاع بالداخل السوري، حيث كانت المفاضلة لدى البيت الأبيض بين فصيل محدود جغرافيًا ولا يمتلك خطابًا واسعًا، وبين سلطة لديها فصائل متعددة منهم “المقاتلون الأجانب”، وتمتلك حلمًا توسعيًا يتماشى مع الخطط الأمريكية في المنطقة، مما يجعل هذه السلطة لاعبًا مفضلًا للبيت الأبيض.
يضاف إلى ذلك الموقف التركي الرسمي الداعم لسلطة الشرع والمعادي بقوة للمكونات الكردية، وواشنطن تسعى لخندقة أنقرة في صفها ولو مرحليًا في معارك الشرق الأوسط والمشرق العربي المقبلة.
الاندماج الوظيفي وثلاجات الحفظ
إن ما شهده مطلع عام 2026 من تحول جذري في مسار علاقات “الشرع – قسد” يأتي في الإطار الأمريكي لاستخدام نموذج “الاندماج الوظيفي”، هذا التحول لم يكن مجرد صدفة، بل ضرورة استراتيجية تهدف إلى “تصفير” خلافات اللاعبين بسوريا للتفرغ للدور الإقليمي الجديد الذي رسمته تفاهمات “واشنطن – أنقرة”.
لا يمكن تجاهل عمليات “إعادة التشغيل” التي قامت بها سلطة الشرع لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” حينما أخرجتهم من “ثلاجات الحفظ”، سجون ومخيمات قوات سوريا الديمقراطية، واستيلائهم على أسلحة من أحد مواقع التحالف الدولي الأمريكي الذي يدعي محاربة داعش، حيث قيل حينها إن الموقع كان خاليًا من الجنود.
أن عمليات “إعادة التشغيل” تأتي في التوقيت الذي ترغب فيه واشنطن بنقل عناصر قامت بصناعتها وحفظها إلى مواقع جغرافية أخرى.
عمليات التسوية والضغط التي قامت بها واشنطن جعلت سوريا “منصة انطلاق عسكرية” لا تكلفها ثمنًا، بل تجني منها الربح، فمن جهة هي تقاتل من خلال جماعات وظيفية مستأجرة لا استقرار لها، حيث حولهم البنتاغون وأجهزته خلال الأعوام المنصرمة إلى “آلات قتل” متنقلة، وفي نفس الوقت بدّل البيت الأبيض عمليات الاستحواذ على النفط السوري من الوسيط الكردي إلى استيلاء كامل من خلال “سلطة الشرع”.
رقعة الشطرنج والبيادق
ما فعلته واشنطن في الجغرافيا السورية بالوقت الراهن هو تطابق لما يفعله اللاعب على رقعة الشطرنج؛ تبديل الخطط والمواقع ليس انسحابًا ولا تراجعًا، بل هي عمليات إعادة تموضع بعد عمليات نوعية، اللاعب يضحي بالبيادق لا مشكلة لديه، فالعين لا تنظر إلا للهدف البعيد وما دونه مجرد أدوات.
تعمل واشنطن على عملية “استنزاف الخصوم” في جغرافيا المشرق العربي انطلاقًا من قاعدتها الفصائلية في سوريا، وهو ما يطلق عليه البعض مبدأ “النأي بالنفس” مقابل لعب دور “المنظم الإقليمي”، هذا الدور الأمريكي وضع “فصائل الشرع” في مواجهة معلنة مع الحزب في الجنوب اللبناني، ومع العراق وبخاصة الحشد الشعبي، ومع الدولة الإيرانية وأذرعها كاملة.
المنطقة العازلة وتقليم الأظافر
في الجنوب اللبناني، لم يعد منذ شهور العمق السوري ساحة إسناد مفتوحة كما كان في السابق، بل تحول إلى “منطقة عازلة” وخانقة سياسيًا ولوجستيًا، فمع الضربات وعمليات الاغتيال والاستهداف التي مُني بها الحزب في الجنوب اللبناني، تم قطع الطريق على أية عملية إسناد فعلية بإغلاق الباب السوري نهائيًا، في الوقت الذي يستمر فيه القصف الإسرائيلي، وتتعالى دعوات الداخل اللبناني الملونة غربيًا بتسليم الحزب سلاحه، وهو ما قد يجعل لبنان إن حدث بلا قوة عسكرية فعلية على الأرض، ما قد يمهد الأمر فيما بعد لتنفيذ الأطماع التركية بضم لبنان، وهي الأطماع التي تنفذها الفصائل المنضوية تحت سلطة دمشق.
من خنق “الحزب” بالجنوب اللبناني إلى تقليم أظافر “الحشد” في العراق المتقارب مع إيران، حيث تدعي سلطة دمشق أنها تتعامل مع الملف العراقي من منظور “الأمن القومي المتجاوز للحدود”، السلطة التي تشكلت من “فصائل عابرة للحدود متعددة الجنسيات” تدعي اليوم أنها ضد الفصائلية على حدودها، وهو ما يتوافق بشكل تام مع المخطط الأمريكي المعلن، والذي تجلى في تهديدات ترامب الداعية إلى تشكيل حكومة عراقية غير متقاربة مع طهران.
كما شهدت الأسابيع الماضية تحشيدًا ومناوشات على الحدود السورية العراقية لم تصل إلى حد الاشتباك بين “فصائل الشرع” و”الحشد”.
السلطة الفصائلية في دمشق تقول إن الفصائل العراقية هي العائق الأكبر أمام مشروع “طريق التنمية” الاستراتيجي الذي يربط الخليج بأوروبا عبر العراق وسوريا وتركيا، وهو الحديث الذي يبدل الصورة من واقعها الحقيقي “استقرار هش، أو لا وجود له بسوريا إن أردنا الدقة” إلى واقع وهمي بادعاءات ضد العراق مستهدفة طهران وفق الأجندة الأمريكية.
الشرع الذي بدّل مواقفه المعلنة لا الحقيقية منذ صعوده للحكم، لم يظل ثابتًا وفقط في العداء لطهران بل يقوم بالفعل بفتح ساحتي اشتباك في لبنان والعراق وفق المخطط الأمريكي في قطع تحالفات إيران.
القيمة السوقية وإدارة الحريق
تدرك سلطة الأمر الواقع في دمشق وفصائلها أن اشتعال الجبهات في لبنان والعراق يرفع من “قيمتها السوقية” لدى صانعيها، كما أن بناءها الفكري تأسس على فكرة “العنف العابر للحدود”، وهي هنا تظهر كأداة قادرة على احتواء تنفيذ اختراقات حدودية عنيفة ولا شرعية.
فصائل السلطة في سوريا هنا تتبع سياسة “إدارة الحريق”، حيث تستخدم دمشق التوترات كأوراق لتحصيل مكاسب سياسية واقتصادية وتثبيت ولائها للبيت الأبيض.
هنا يبرز الثمن الذي تدفعه سلطة الشرع مقابل استمرار اعتراف واشنطن بشرعيتها، وهو المساهمة الفعالة في “عزل” قوى المقاومة، السلطة هنا تعمل كـ”مقص” يقطع تحالفات الحلف الإيراني من طهران لبغداد للجنوب اللبناني.
تناقض صارخ في مفهوم السيادة الذي يتحدث عنه أحمد الشرع وسلطته، في الوقت الذي يحشد فيه الفصائل ضد العراق ولبنان، يصمت ويغضّ البصر عن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بالجنوب السوري، والتي أدت لوصول الاحتلال إلى ما يقرب من 20 كيلومترًا من دمشق، ويرحب كذلك بالأعلام التركية المرفوعة في إدلب وحلب.
حارس الحدود والاستعلاء السياسي
يضع الشرع خطابه موضع “الزيف”، فيما تظهر سلطته “العين الحمراء” ضد دول الجوار العربي بدعوى حماية الحدود، تمارس “الصمت الاستراتيجي” بحسب ما سماه مندوب الشرع بالأمم المتحدة إبراهيم علبي تجاه التوغل الإسرائيلي المستمر في العمق السوري.
نضع تحركات “سلطة الأمر الواقع” في سورية موضعها الصحيح، هذا التحشيد ليس دفاعيًا بل هو “تحشيد وظيفي” يهدف لتنفيذ المخطط الأمريكي الرامي لفرض حصار مطبق على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومن معها في ذات الحلقة المقاوِمة، مما يجعل “دمشق الشرع” تعمل كـ”حارس حدود” للمصالح الغربية بامتياز.
نشير هنا إلى حالة من “الاستعلاء السياسي” التي تنتاب سلطة أحمد الشرع وفصائلها، هذه الحالة ناجمة عن الدعم الأمريكي والتركي شبه المفتوح، هذا الشعور ولّد قناعة لديهم بصلاحيتهم التدخل في شؤون الآخرين تحت ذريعة “تصدير النموذج السوري” كخطوة في البناء الإمبراطوري الذي يسعون إليه.
إن وصول هذه الفصائل إلى دمشق ليس نهاية للأزمة السورية والإقليمية، بل هو بداية لمد نفوذ “سلطة الشرع” نحو دول الجوار.
تلك السلطة التي تمثل “واجهة أردوغان” و”ذراع البيت الأبيض”، والتي تستند إلى فكرة “الحلم الأموي” الذي يداعب مخيلة القواعد الشعبية للسلطة، ويوحي بقدرتهم على استعادة حقبة تاريخية بما يتجاوز الحدود الحالية وسيادة الدول.
هذا الوهم بالقدرة على استهداف دول أخرى والانتصار هو “الفخ” الذي نصبه صانع القرار في “البيت الأبيض”، فمن خلال إيهام “سلطة الشرع” بأنها قوة صاعدة، يتم دفعها لتكون “رأس حربة” في تمزيق التكتلات العربية والإقليمية التي تقف في مواجهة واشنطن.
هنا نعود إلى بداية حديثنا عن الاشتباكات التي وقعت بين “سلطة الأمر الواقع” و”قوات سوريا الديمقراطية” وما تلاها من “اتفاق الدمج”، حيث يهلل أنصار الشرع ظنًّا منهم بأنهم يبنون “الهيبة”، بينما الواقع أن تحركاتهم لا تخرج عن “النص المكتوب” في البيت الأبيض، فالقوة التي يشعرون بها هي “قوة مستعارة” تهدف فقط لتنفيذ مهمة محددة، وهي إحداث الانفجار الكبير في المشرق العربي عبر البوابة السورية، بما يخدم “المصالح الاستراتيجية الصهيوأمريكية الكبرى” بعيدًا عن أحلام “سلطة الشرع”.