لم يعد ياميش رمضان مجرد طقس اجتماعي يسبق الشهر الكريم، بل تحوّل إلى كاشف طبقي فاضح، في بلد واحد، وشهر واحد، يحتفل البعض برمضان عبر “بوكسات” تطلب أونلاين بآلاف الجنيهات، بينما يكتفي آخرون بحفنة بلح تشترى بالجرام، أو ينتظرون كراتين التبرعات، هذا الانقسام لا يعكس اختلاف الأذواق، بل يفضح أثر الأزمة الاقتصادية على تفاصيل الحياة اليومية، حتى أكثرها ارتباطًا بالهوية والذاكرة الجمعية.
“مش بنبص على الياميش”
في حارة العطارين، حيث كانت حركة البيع قبل سنوات لا تهدأ مع اقتراب رمضان، تقف منى، الأربعينية، تسأل عن الأسعار دون نية للشراء.
منى ربة منزل وأم لأربعة أبناء، زوجها يعمل باليومية في قطاع المعمار، تقول بوضوح: “الحاجات دي غالية علينا، ومش بنبص عليها إحنا يدوب اللي بيجي يوفر الفطور والسحور، حتى البلح والتمر بنستنى ييجي لينا في كراتين من ولاد الخير”، تقول كيلو المشمش المجفف يتخطى الـ 800 جنيه، دي ميزانية أكل وشرب 10 أيام، والزبيب وصل 300، وجوز الهند 600، دي حاجات لمن استطاع إليها سبيلا.
بالنسبة لمنى، لم يعد ياميش رمضان تقليدًا موسميًا، بل رفاهية مستبعدة بالكامل من حسابات البيت.
صناعة الفستق في البيت
على بعد خطوات، تتحدث أم حسين، الستينية، عن التراجع التدريجي في قدرتها على شراء ما اعتادت عليه سنوات طويلة، تقول: “زمان كنا بنشتري ياميش ومكسرات وفاكهة مجففة تكفي الشهر كله، دلوقتي استغنيت عن حاجات كتير زي المشمش والتين والبندق والفستق”.
لم يبقَ من ياميش رمضان بالنسبة لها سوى جوز الهند والزبيب والفول السوداني، وبكميات أقل من السابق. وبسخرية مرة تضيف: “بنعمل من السوداني فستق بنبشره ونرش عليه لون أخضر علشان نزين الكنافة والقطايف”.
أيضا الخشاف، أحد أبرز رموز رمضان، لم يسلم من التقليص، إذ استبدلته بمنقوع اللبن مع التمر أو العصائر الطبيعية الأرخص.
البيع بالجرامات بدل الكيلو
هذا التراجع في القدرة الشرائية انعكس بوضوح على حركة السوق، يقول حسن، أحد العطارين في حارة العطارين، إن الكساد بات السمة الغالبة.
“الأزمة ضربت الكل الناس بقت تدور على الأرخص في كل حاجة”، ويشرح كيف اضطر التجار إلى تغيير طريقة البيع، “بقينا نبيع بالجرامات، ونغلف الياميش في أطباق صغيرة علشان الزبون يقدر يشتري من غير إحراج، كمان بنعمل علب مشكلة بوزن خفيف، علشان الناس تحافظ على العادة حتى لو بجرامات”.
ما الذي بقي على المائدة؟
بحسب حسن، لم يعد الاختيار مفتوحًا كما كان، “البلح هو الأساس، الكيلو من 35 لـ200 جنيه، وكل واحد حسب ظروفه، بعده الزبيب وقمر الدين وجوز الهند والفول السوداني، بس بكميات أقل، اللي كان بياخد كيلو، دلوقتي بياخد نص أو ربع”.
أما المكسرات والفواكه المجففة، فيؤكد أنها أصبحت مقتصرة على فئة محدودة فقط.

رمضان أونلاين للأغنياء
في المقابل، يبدو رمضان مختلفًا تمامًا في مناطق مثل الشيخ زايد، تقول سارة:”ياميش رمضان عادة ما ينفعش نستغنى عنها، وهي فرحة لأولادي، توضح أنها باتت تعتمد على المتاجر الإلكترونية مثل العبد وأبو عوف، التي توفر بوكسات ياميش متنوعة بأسعار مرتفعة لكنها “مناسبة” لشريحتها، “بطلب الكمية اللي تكفينا الشهر كله والعزومات مرة واحدة قبل رمضان”، وتكشف عن سعر بوكس رمضان اون لاين يبدأ من ألفين ويصل ل 10 آلاف.


بين هذا المشهد ومشهد حارة العطارين، لا يكمن الفارق في الطعم، بل في القدرة.
اقتصاد الدولار على طبق الخشاف
يربط نائب رئيس شعبة العطارة بغرفة القاهرة التجارية، شادي الكومي، هذا التحول بتراجع الواردات من حيث الوزن بنسبة 20%، مقابل استقرارها من حيث القيمة، نتيجة الارتفاع العالمي للأسعار، ويشير إلى أن وصول الدولار إلى أكثر من 51 جنيهًا أدى إلى زيادة حادة في أسعار المنتجات المستوردة، خاصة مع اعتماد مصر على الاستيراد بنسبة 90% للياميش من دول عدة، في ظل محدودية الإنتاج المحلي.
طقس لم يعد متاحًا للجميع
بين من ينظر للياميش على رفوف المحلات ولا يستطيع أن يشتريها ويكتفي فقط بحفنة بلح، ومن يطلبه في بوكسات مغلقة بعيدة عن الشارع، يتكشف واقع اقتصادي أعاد تعريف الطقوس الشعبية.
في مصر اليوم، لم يعد رمضان مجرد شهر للعبادة واللمة، بل مرآة قاسية للفوارق الاجتماعية، حيث صار الياميش طقسًا لمن استطاع إليه سبيلًا.